مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات / 9] فالكفر المراد في الحديث ليس الكفر المخرج من الملة، وإلا لما أثبت الله لمن تقاتلوا وصف الإيمان الذي هو في الآية الإسلام الظاهر.
ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) وفي رواية (إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما) (1).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذا الحديث: (فقد سماه أخاه حين القول، وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه) (2).
ومن ذلك أيضاً عدم ترتب حد الردة على فاعلة، وإن أقيم عليه حد العصاة، كما في الزاني والسارق مع نفي الإيمان عنهما.
ومن الدلالات على الشرك والكفر الأصغر أن يأتي منكراً غير معرف،
صـ 272
فإن جاء معرفاً بأل دل على أن المقصود به الكفر المخرج من الملة، لا مطلق الكفر الذي يصدق على الكفر الأصغر كما يصدق على الكفر الأكبر.
ولهذا فإن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر لمجيء الحديث في حكم تاركها على التعريف، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) (3).
ويؤيد ذلك دلالة أخرى وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (4). فإذا كان الحد الذي بين المسلمين والكفار هي الصلاة فإن تركها كفر أكبر.
ومن الدلالات أيضاً على الشرك والكفر الأصغر ما فهمه الصحابة من النص، فإنهم أعلم الأمة بمعاني نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك حديث (الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) (5) فإن آخر الحديث – على الصحيح – هو
(1) () أخرجه البخاري، كتاب الأدب، (6103). ومسلم، كتاب الإيمان، (60). والترمذي، كتاب الإيمان، (2639). وأبو داود كتاب السنة، (4687).
(2) () (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) ص (7/ 355).
(3) () أخرج مسلم، كتاب الإيمان، (82). والترمذي، كتاب الإيمان، (2622).وأبو داود، كتاب السنة، (4678).
(4) () رواه الترمذي (2623). والنسائي (463).
(5) () رواه أحمد (1/ 389). وأبو داود (3910). والترمذي (1614)، وقال حسن صحيح. وابن ماجه (3538).