صـ 171
4 - شرك التقرب والنسك.
كل ما ثبت أنه عبادة مشروعة وجوباً أو استحباباً فصرفها لغير الله شرك في العبودية، ومن تحقق منه ذلك كان مشركاً، سواء اعتقد مع ذلك استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، أو اعتقد أنه لا يستحق العبادة لذاته، وإنما هو وسيط وشفيع إلى الله.
وذلك أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية، لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله.
ولهذا ذكر الله عن المشركين أنهم كانوا في العبادة مع اعتقادهم بأن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد والرزق، وأن الذين يعبدونهم من دونه ليس لهم من ذلك شيء على جهة الاستقلال عن الله تعالى.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس / 31].
فهم يعتقدون أن الله هو المتفرد بتدبير الأمور، لكنهم أشركوا بالله من جهة التوسط في الطلب أو العبادة. والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة لمن تدبرها.
وهذا هو معنى قول الله تعالى عن المشركين: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف / 106].
يقول ابن عباس رضي الله عنه: (من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من
صـ 172
خلق السموات، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به) (1).
فكما أن اعتقاد أن الله متفرد بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله لا يكفي في تحقيق التوحيد، بل لابد من إرادة الله بالقصد والعمل. فكذلك ليس الشرك محصوراً في الاعتقاد، بل هو شامل للشرك في الإرادة المستلزمة للعمل، بل إن الشرك في الإرادة هو حقيقة الشرك الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب من أجل إخراج الناس إلى توحيده وعبادته وحده، والعبادة ليست مجرد اعتقاد.
وغالب ما يكون من الذبح وتقريب القرابين والنذور لغير الله، فالغاية منه استجلاب الخير واستدفاع الضر ممن عبد بذلك.
(1) () (تفسير ابن كثير) (2/ 594).