ولهذا كان أصدق الأسماء كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الحارث وهمام) (1). لمطابقة ذلك الوصف لحقيقة النفس الإنسانية، وكون كل إنسان حارث عامل همام مريد. بصرف النظر عن كون ذلك الحرث والهم في حق أو باطل. بل مجرد وصفه بذلك هو تقرير للحقيقة كما هي، دون أن يستلزم ذلك مدحاً أو ذماً. وإنما يكون المدح والذم بحسب تحديد المراد والغاية التي يختلف الناس فيها.
ومن فضل الله ورحمته أن فطر كل إنسان على توحيده وابتغاء وجهه بحيث يكون ذلك أصلاً يولد عليه كل مولود.
وهذا هو معنى حديث الفطرة وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد
صـ 164
على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) (2). فالفطرة هي الإسلام الذي أصله توحيد الله بالإرادة والمحبة، و أما الأديان المحرفة فهي مخالفة للفطرة، وانحراف عن الأصل الذي هو الإسلام.
ولهذا فإن القلب لا يمكن أن يطمئن ويستقر إلا إلى ما فطره الله عليه من إرادته ومحبته وحده. وكل إرادة ومحبة لغير الله فهي عذاب وصرف للفطرة عن أصلها، مهما يكن المراد المحبوب.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط. تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) (3). مع أنه دعاء بالتعاسة والانتكاس لمن كان عبداً للدينار فإنه أيضاً تقرير لواقع حاصل، وهو أن كل من كان معبوده المال فلابد أن يكون حاله من تعاسة إلى تعاسة، ومن انتكاس إلى انتكاس، لمخالفته لحقيقة فطرته بحب الله وإرادة وجهه وحدة.
وهذه الإرادة والمحبة شاملة لحياة الإنسان كلها دون استثناء، وهي حقيقة العبودية وتحقيق الألوهية لله تعالى، والحكمة من خلق الله للإنسان كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات/ 56].
ومع أن إرادة الله ومحبته هي الأصل الذي خلق عليه كل إنسان فإن الله قد شاء – لحكمه يعلمها – أن تكون عبادة الإنسان اختيارية، بحيث يمكن أن يفعل الشر كما يمكن أن يفعل الخير، فخلقه مهيأ لذلك.
(1) () أخرجه أبو داود، كتاب الأدب (4950).
(2) () أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، (1358)، ومسلم، كتاب القدر، (2658). وأبو داود، كتاب السنة، (4714). والترمذي، كتاب القدر، (2139).
(3) () رواه البخاري، كتاب الجهاد، (2887).