تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك أن كثيراً من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية ؛ فالأحكام تنظيمٌ أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد،فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة ، فكم من حكم كان تدبيراً أو علاجاً ناجحاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه ، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق .

ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون ، وصرّح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات ، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وُجِدَ الأئمة الأولون في عصر المتأخرين وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون(1)

وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة : (( لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ))(2).

ومن أمثلة هذه القاعدة :

- أن الإمام أبا حنيفة ـ رحمه الله ـ يرى عدم لزوم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم ، اكتفاء بظاهر العدالة ، وأما عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد ـ رحمهما الله ـ فيجب على القاضي تزكية الشهود بناء على تغير أحوال الناس(3).

- كذلك أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة : (( أن الضمان على المباشر دون المتسبب )) وهذا لزجر المفسدين(4).

(1) - انظر : مجموع رسائل ابن عابدين 2 / 123 ؛ المدخل الفقهي العام 2 / 923,924 .

(2) - انظر : القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ص227 ؛ الوجيز في القواعد للبورنو ص254.

(3) - انظر : تبين الحقائق شرح كنز الرقائق 6 / 211 .

(4) - انظر : قواعد ابن رجب القاعدة 127 ، 2 / 597 تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان ، دار ابن عثمان ، الطبعة الأولى 1419هـ .

ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرةص ٥٥