وقال ـ رحمه الله ـ في موضع آخر :((عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى وهذا العيب أولى بالعيب ، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل ، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيباً ))(1).
ثم بيّن ـ رحمه الله ـ ما صار إليه الأمر في الفتوى بعد الصحابة والتابعين بقوله : (( ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم ، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط ، ولا يذكر للجواب دليلاً ولا مأخذاً ، ولا يعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل ، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه ، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يدري ما حالهم في الفتاوى؟ !))(2).
ونُقِل عن الإمام الصيمري ـ رحمه الله ـ وغيره القول بعدم مطالبة المفتي بذكر الدليل في فتواه(3).
ولعل الأقرب إلى الصواب في هذه المسألة ـ والله أعلم ـ : أن ذكر الدليل في الفتوى يرجع إلى حال السائل وطبيعة الفتوى أو النازلة ؛فإذا كان السائل له علم بالشرع ،ودراية في معاني الأدلة ،أو طلب معرفة الدليل، فينبغي للمفتي أو الناظر ذكر الدليل والحجة أو الحكمة من المشروعية ؛تطميناً لقلب السائل وزيادة في علمه وتوثيقاً لفهمه ، أما لو كان المستفتي أمياً لا يفقه معنى الدليل فذكره له مضيعة للوقت وخطاباً لمن لا يفهم .
(1) - المرجع السابق 4 / 200 .
(2) - المرجع السابق 4 / 200 .
(3) - انظر : أدب المفتي والمستفتي ص 152 ؛ المجموع 1 / 90 ؛ الوصول إلى علم الأصول لابن برهان 2 / 385 .