تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جهلا علي وجبنا من عدوهم

لبئست الخلتان الجهل والجبن

فإني والله يا أهل خراسان، ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة، بلغني عنهم بعض السقم والتعرم، وقد دسست لهم رجالا فقلت: قم يا فلان قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا وحذوت لهم مثالا يعملون عليه، فخرجوا حتى أتوهم بالمدينة فدسوا إليهم تلك الأموال، فوالله ما بقي منهم شيخ شاب، ولا صغير ولا كبير إلا بايعهم بيعة استحللت بها دماءهم وأموالهم، وحلت لي عند ذلك بنقضهم بيعتي وطلبهم الفتنة: والتماسهم الخروج علي، فلا يرون أني أتيت ذلك على غير يقين، ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآية

وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب .

103 •••

هذه الحجج من جانبي الهاشميين جعلت الناس ينقسمون قسمين: علويين وعباسيين؛ ورأينا الشعراء ينحازون أيضا فريقين سنعرض لهما بعد؛ ورأينا حتى الفرق الإسلامية تنقسم أيضا هذا الانقسام، ففرقة شيعة علوية، وفرقة أخرى عباسية كان من غلاتها قوم يلقبون بالراوندية.

الراوندية:

قد صورهم المؤرخون تصويرات مختلفة، لعل أصدقها ما ذكره المسعودي إذ قال: «إنهم شيعة ولد العباس بن عبد المطلب من أهل خراسان وغيرهم، (قالوا) إن رسول الله قبض، وأحق الناس بعده العباس بن عبد المطلب لأنه عمه ووارثه وعصبته، لقوله الله تعالى:

وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، وإن الناس اغتصبوه حقه، وظلموه أمرا إلى أن رده الله إليهم، وتبرأوا من أبي بكر وعمر، وأجازوا بيعة علي بن أبي طالب بإجازته لها؛

104

وذلك لقوله: يا ابن أخي هلم إلي أبايعك فلا يختلف عليك اثنان. وقد صنف هؤلاء (الراوندية) كتبا في هذا المعنى الذي ادعوه، وهي متداولة في أيدي أهلها ومنتحليها، ومنها كتاب صنفه عمرو بن بحر الجاحظ، وهو المترجم بكتاب «إمامة ولد العباس» يحتج فيه لهذا المذهب ... ولم يصنف الجاحظ هذا الكتاب، ولا استقصى فيه الحجاج للراوندية - وهم شيعة ولد العباس - لأنه (كان) مذهبه، ولا كان يعتقده، لكن فعل ذلك تماجنا وتظرفا».

105

وكان في هؤلاء الراوندية من غلا وسخف، فيروي الطبري أن منهم قوما «عبدوا أبا جعفر المنصور، وصعدوا إلى الخضراء، فألقوا أنفسهم كأنهم يطيرون، وخرج جماعتهم على الناس بالسلاح فأقبلوا يصيحون بأبي جعفر: أنت أنت»

106

يريدون: أنت الله:

وقال الفخري: «إنهم قوم من أهل خراسان كانوا يقولون بتناسخ الأرواح ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى فلان - رجل من كبارهم - وأن جبريل هو فلان - عن رجل آخر - قلما ظهروا أتوا قصر المنصور وقالوا هذا قصر ربنا؛ فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم مائتي رجل» إلخ.

وأيا ما كان، فالراوندية شيعة العباسيين وفرقتهم الدينية. غلا فيهم من غلا كما غلا في الشيعة العلوية من غلا.

وبهذا الوضع أصبحت حجة العلويين على العباسيين أضعف من حجتهم على الأمويين، لاشتراك الجميع في الهاشمية والقربى من رسول الله، وتنازع الطائفتين في أيهما أقرب. •••

واستمر النزاع العلوي العباسي طوال العصر الذي نؤرخه وبعده، كلما قام خليفة عباسي قام داع علوي يدعو إلى نفسه، ثم يقاتل ويقتل، وقد يستكشف أمره قبل الخروج فيحبس أو يسم، وقد يدس لعلوي لم يعتزم الخروج والثورة ولكن يتقرب إلى العباسيين من هذا الباب، فتلصق التهمة به ظلما وعدوانا وهكذا؛ فاقرأ تاريخ كل خليفة تحصل على وقائعه مع العلويين حتى كان ذلك شعار للخلافة.

فبعد المنصور تولى المهدي، وقد غضب على وزيره يعقوب بن داود، وقبض عليه وأودعه السجن حتى عمي، لأن المهدي دفع إليه علويا وأمره بحفظه فأطلقه.

ثم تولى الهادي من بعد المهدي، فخرج عليه الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب

107

بالمدينة، وخرج معه جماعة من أهل بيته، فأرسل الهادي إليه جيشا قاتله فقتله؟ بموضع يقال له (فخ) بين مكة والمدينة. ومن أجل هذا يسمى «صاحب فخ» وحمل رأسه إلى الهادي.

ضحى الإسلام · الصفحة ٤١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤١٩