وأما بالنسبة للاعتكاف فالأصل في قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد )68 هذا أصل عام أخذ منه جماهير العلماء رحمة الله عليهم و منهم الأئمة الأربعة وهو قول داوود الظاهري و أهل الحديث أن الاعتكاف جائز في المساجد كلها من حيث الجملة إلا أن من نوى أن يعتكف العشر الأواخر أو نذر أن يعتكف العشر الأواخر فإنه لا يعتكف إلا في مسجد فيه الجمعة لأنه إذا نذر اعتكاف العشر كاملة حَرُمَ عليه أن يخرج فإذا جاء يوم الجمعة وهو في المسجد لا يُجَمَّع فيه فمعنى ذلك إما أن يبطل نذره بخروج لأن المعتكف لا يجوز له الخروج إلا لضرورة وحاجة تتعلق ببدنه وإما أن يضطر إلى ترك الجمعة ولا يجوز لمثله أن يترك الجمعة ولذلك إذا نوى أي إذا نذر وفرض على نفسه اعتكاف العشر الأواخر كاملة فإنه لا يعتكف إلا في مسجد فيه جمعة وهذا هو الأصل الذي دعا بعض العلماء أن يقول اعتكاف العشر لا يكون إلا في مسجد يُجَمع فيه حتى لا يضطر إلى الخروج إما لو نذر أن يعتكف ليله وجاء في أي مسجد واعتكف فيه فلا بأس ولا حرج وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام قوله : " لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة "69 , وهذا الحديث حَسَّن بعض العلماء رحمة الله عليهم من المتقدمين والمتأخرين إسناده وقال مجاهد بظاهره مجاهد ابن جبر تلميذ ابن عباس قال أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في واحد من المساجد الثلاثة ولكن خالفه جمهور العلماء على ظاهر الآية الكريمة وكذلك أيضاً قالوا أن قوله لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة هذا معروف في أسلوب الشرع النفي المُسَلَط على الحقيقة الشرعية كقوله : " لا إيمان لمن لا أمانة له "70 , " ولا صلاة بعد صلاة الصبح "71 , " ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "72 , تارة يَرد ويراد به الكمال وتارة يَرد ويراد به نفى الصحة فتردد الحديث هنا بين أن يُحمل قوله لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة بين أن يحمل على الفضيلة أي لا أفضل في الاعتكاف من
دعوة على منهاج النبوة · الصفحة ٢٣٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
دعوة على منهاج النبوةص ٢٣٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي