تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك فإن الدين لم يكن في يوم من الأيام إقراراً لوضع من الأوضاع القائمة ، ولا لتقليد من التقاليد المتوارثة ، وإنما كان دائماً ، ثورة على كل باطل مما أورثته التقاليد وأقرته الأوضاع ، كان الدين دائماً ، دعوة للناس أن يثورا على ما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم من باطل ، ودعوة إلي الاعتصام بالحق والكمال الذي يدعوهم إليه ، فكان الناس بالدين يواجهون ما توارثوه عن آبائهم وأجدادهم ، ويكتشفون من مواجهته مدي ما فيه من زيف وبطلان ، فيعرضون عنه ، ويؤمنون بما جاء به الدين الذي دعاهم إلي نبذ هذا الزيف والبطلان من حق ، وبذلك كان الدين دائماً ، دعوة إلي مواجهة المتوارث عن الآباء والأجداد وبحث الجديد الذي يدعو إليه ، وكان الإيمان بعد ذلك إيماناً حقيقياً كاملاً نتيجة لبحث دقيق ولاختيار حر كامل .

وبذلك لم يكن الدين يوماً ، تقليداً متوارثاً ولا تقليداً يتوارث ، وإنما كان دائماً دعوة إلي مواجهة كل ما هو متوارث ، والبحث عما فيه من حق أو باطل ، عما فيه من هدي أو ضلال ، وإتباع ما هو حق وهدي ، ونبذ كل ما هو باطل وضلال ، عن بحث وإيمان واقتناع.

والحقيقة أن الدين لم يتغير ، وأن اعتناق الدين لا يكون كتقليد يتوارث ، وإنما يجب أن يكون عن بحث واقتناع ويقين ، فليس يكفي لأن يعتنق الإنسان ديناً معيناً أن يتوارثه عن والديه وأجداده ، وإنما الإيمان الحق يحتم على الإنسان أن يواجه عقائده ، وأن يبحثها ، وأن يبحث أيضاً غيرها ، ولا يؤمن بعد ذلك إلا بما يهديه ضميره واقتناعه وعقله ويقينه أنه هو الحق ، وأن يعرض عما يهديه كل ذلك إلي أنه باطل ، فبذلك يكون إيمانه إيماناً حقيقياً ، نابعاً عن بحث وإيمان واقتناع ، وليس أعظم من إيمان يكون على هذا النحو.

دعوة الحق بين المسيحية والإسلام · الصفحة ٦٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دعوة الحق بين المسيحية والإسلامص ٦٠٤