وهذه الوحدة الكاملة في الدين ، التي يقوم عليها الإسلام اليوم ، قد قام عليها الإسلام من قبل ، ومنذ أن كان الدين على الأرض ، فلم يكن الرسل من قبل يدعو كل منهم إلي الإيمان به وحده ولا برسالته هو وحده ، وإنما كان كل رسول من الله ونبي ، يدعو الناس دائماً إلي الإيمان أيضاً بالرسل والكتب من قبله ، حتى المسيح عليه السلام الذي قال (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض بل لأكمل.) ، ولقد كان المسيحيون موفقين حقاً ، حين حققوا هذا القول من المسيح عليه السلام ، فضموا إلي ما عرف عندهم بالعهد الجديد ، كل ما عرف من قبل من الكتب المنزلة من الله سبحانه وتعالى وسموها بالعهد القديم ، وجعلوا من كل ذلك كتاباً واحداً يقوم دينهم على الإيمان به كله ، وسموه بالكتاب المقدس ، وبذلك لم يدعوا مجالاً للشك ، في أن هذا الدين الذي آمنوا به ، دين جديد ، وإنما أكدوا أنه هو نفسه الدين كله من قبل ، والذي جاء المسيح عليه السلام ليكمله ، وإن نسوا أن المسيح إنما قال أنه جاء ليكمل ولم يقل أنه جاء ليتمم ، وبذلك فقد ترك باب الدين مفتوحاً ليتممه رسول من الله يأتي من بعده ، ولم يكن غير محمد عليه السلام.
وعلى أن هذا هو ما فعله المسيحيون تأكيداً لإيمانهم بالرسل والكتب قبل المسيح عليه السلام ، وعلى أن الإسلام يحتم هو الآخر ، الإيمان بالرسل والكتب جميعاً قبل محمد عليه السلام ، فقد وجدنا أن المسلمين قد أعرضوا إعراضاً يكاد أن يكون تاماً عن الكتاب المقدس ، وكان ذلك بالذات كما وجدنا أيضاً ، لما جاء في العهد الجديد عن تأليه المسيح وصلبه بعكس ما قال به القرآن ، ولكننا قد بينا أن هذا لا يجيز الإعراض كلية عن الكتاب المقدس على هذا النحو ، وإنما يتعين على المسلمين قبول الكتاب المقدس في الحدود التي تحتمها الأصول الصحيحة لدراسة الكتاب المقدس وبحثه وبيان كيفية كتابته على النحو الذي فصلناه من قبل.