تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن ، وبذلك ، انقلبت قضية الدين ، فبعد أن كانت هي الإيمان بوجود الله ، والدعوة إلي عبادته ، وبعد أن كانت قضية الدين كلها هي محاولة إثبات ذلك ، أصبحت قضية الدين في المسيحية ، هي محاولة إثبات ألوهية المسيح ، ولم يكن لهذا من نتيجة إلا أن يشتت كل الجهد الذي يبذل لقضية الإيمان ، فإذا كان من الممكن إثبات وجود الله بصورة منطقية ومقبولة ومتفقة مع كل منطق وكل عقل ، فإن من المستحيل إثبات أية ألوهية للمسيح ، وبأية صورة من الصور المقبولة ، ولهذا يكاد جهد المسيحيين اليوم أن ينصرف لا إلي إثبات وجود الله والدعوة إلي عبادته ، وإنما إلي محاولة قسر الناس على الإيمان بألوهية المسيح ، على ما في كل صور الألوهية التي قالوا بها له من مخالفة للعقل والمنطق ولكل ما يمكن قبوله على نحو ما رأينا من قبل ، ولذلك لم يكن في القول بهذه الألوهية للمسيح إلا وبالاً على الدين نفسه ، فيه انقسم المسيحيون أولاً إلى قسمين قسم بقي على إيمانه الأول ، الذي تلقاه عن المسيح عليه السلام ، وظل على إيمانه بالله الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو ، وبالمسيح رسولاً نبياً إنساناً بشراً ، وقسم آخر اعتنق الإيمان بألوهية المسيح ، ثم تغلب من اتبعوا القسم الثاني وانتشر بين المسيحيين الاعتقاد بألوهية المسيح ، ولكن لم يكن ذلك توحيداً لكلمة المسيحيين وإيمانهم ، وإنما كان بداية لانشقاقات وانقسامات أخرى في الكنيسة وبين المسيحيين استمرت على مدي القرون العديدة التي عاشتها المسيحية على الأرض إلي اليوم ، ولم يزدها الزمن إلا انشقاقاً وانقساماً ، ومرجع ذلك كله ، الاختلاف حول تصور هذه الألوهية ، حتى انتهت المسيحية اليوم ، وكما يقول المسيحيون أنفسهم ، إلي صورة يتساءل معها المرء ، عما إذا كان للعهد الجديد قيمة حقاً .

دعوة الحق بين المسيحية والإسلام · الصفحة ٥٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دعوة الحق بين المسيحية والإسلامص ٥٨٣