ثم يمضي شهر رمضان ، وينتهي عن المسلمين فرض الصوم ، ويرتفع عمن كانوا أشراراً قبله ما جعلهم يقلعون عن الشر ، فهو لرغبتهم في أن ينالوا ثواب الصوم صاموا أيضاً عن الشر ، ولكنهم لن يصوموا بعد ، ومن ثم فلن يفقدوا ثواب الصوم إذا هم عادوا إلي الشر ، ولا نستطيع أن ننكر أن بعضاً من ضعيفي الإيمان يعودون إليه ، ولكن الذي لا يستطيع أن ينكره أحد ، أن الكثيرين ، الكثيرين جداً ، إذ يحسون روعة الإيمان وجلاله في هذا الشهر ، ويعرفون أكثر أثر الشر وعواقبه ، يمضون في الطريق الذي بدأوه في هذا الشهر ، فلا يعودون إلي الشر ثانية ، وحتى هؤلاء الذين لم يصرفهم صوم الشهر في عام عن الشر ، فهو سيصرفهم عنه حتماً في العام التالي ، أو الذي يليه ، أو في أي عام آخر بعده ، ولكنه لابد له يوماً أن يجذبهم بعيداً ونهائياً عن الشر ، وفي كل هذا وذاك ، فائدة محققة للفرد وللمجموع وللدين.
وهكذا يبين لنا أثر صوم شهر رمضان من حيث الواقع ، فهو تجربة روحية يمر بها المسلم كل عام، ويعطي فرصة كل عام لمن انحرف إلي الشر أن يحيد عنه ، ويحيد عنه كثيرون فعلاً تأثروا بهذا الشهر ، وإنها لحكمة بالغة ألا يكون الصوم فرضاً طوال العام كله ، إن البعض قد يقول إنه ما دام للصوم هذا الأثر ، فلم لا يفرض العام كله ، ذلك أنه لو فرض على هذا النحو لكان فيه إثقال على المؤمنين كافة ، ولما كان هناك ما يدعو الإنسان إلي التغيير لاستقباله ما دام مفروضاً كل الأيام ، ولكن الصوم قد فرض من جهة أخرى ، طوال شهر كامل ، وفي هذا فرصة كافية للناس لأن تتشبع بحب الخير وتجنب الشر.
المبحث الخامس
حج البيت من استطاع إليه سبيلا
وحج البيت فرض على المسلم الذي يستطيع إليه سبيلاً ، والبيت المقصود هنا هو الذي أشار إليه القرآن بقوله :