ولم يشرق عليهم فجر هذا الإعلان الهائل إلا بعد القيامة ، والأربعين يوماً التي قضاها متردداً عليهم ، والصعود إلي السماء ، ونزول الروح القدس عليهم – وبعد هذا كله أدركوا في رهبة وخشوع من كان ذلك الشخص العجيب الذي قضي معهم ثلاث سنوات في فلسطين ، فكتب أحدهم : ( الكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده ، مجداً كما لوحيد من الآب) .)
وهكذا بين لنا الكاتب في إيجاز أن ألوهية المسيح لم تخطر على بال أحد منذ ميلاد المسيح ، وإنما يقبله الجميع أولاً كإنسان فحسب ، ثم بدأت فكرة ألوهيته كما يقول الكاتب تنمو في الأذهان شيئاً فشيئاً ولكنها لم تتضح تماماً إلا بعد رفع المسيح عليه السلام ومضي نحو أربعين يوماً.
ويعود الكاتب ابتداء من صفحة 31 إلي التفصيل في بعض ما أوجزه فيقول :
(ولا يسع الباحث إلا أن يفكر في موقف العذراء الأم إزاء ولدها يسوع . هل حسبته (إلهاً) ابن الآب الأزلي ؟
إن رواية الإنجيل تجعل هذه الفكرة محالة . كما أن العقل لا يسلم بها . وإلا كيف أمكن تربيته كصبي بشري عادي خاضعاً لوالديه (يتقدم في الحكمة والتامة عند الله والناس)؟ وإلا كيف استطاعت أن تؤنبه على توانيه في الهيكل مع أحبار وعلماء اليهود ؟ وكيف عالجت شئونه كلها كطفلها الخاضع لها ؟ إن فكرة (ألوهيته) لو كانت عرفت في بادئ الأمر لهالت كل إنسان وتعذر معاملته كصبي بشري ، ولكانت الحياة العائلية غير محتملة وغير ممكنة ، ولذهب هباء قصد التجسد الذي انطوي على أن يكون المسيح إنساناً كاملاً ينمو تدريجياً في الحياة الشخصية والإدراك البشري.
كلا . إن العذراء لم تفكر في ولدها كإله . قد عرفت أنه المسيح المنتظر الموعود به ولكن اليهود كانوا يعتنقون أفكاراً مبهمة غامضة عن المسيح . عرفت أن ميلاده المعجز جعله فريداً عديم المثال ، ولكنها لم تدرك سر (ألوهيته) الهائل الذي لم تفطن إليه ولم تعرفه إلا مؤخراً .