الدرجة الأولى
إن أصل البعثة ورأس الدعوة هو توحيد الألوهية، الذى هو إفراد الله بالعبادة ونفى الشرك عنها، والدليل على ذلك قوله تعالى فى أول اية نادى بها النبى صلى الله عليه وسلم:
(ياأيها المدثر*قم فأنذر* وربك فكبر*وثيابك فطهر* والرجز فاهجر) وفى التفاسير أن الرجز هى الاوثان، والهجر: هو الترك، وفى الحديث النبوى ما يدل على أن عبادة الشئ، وثناً فى قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد" وقال سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون، ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن انذروا أنّه لا إله الا أنا فاتقون).
قيل: مروهم بلا إله الا الله، ذكره البغوى رحمه الله فى تفسيره وقال سبحانه: (ولقد بعثنا فى كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).
وقال سبحانه وتعالى فى سورة الانبياء: (وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحى اليه أنه لا إله الا أنا فاعبدون).
والطاغوت: أسم عام لما يعبد من دون الله، فطاغوت كل قوم معبودهم من دون الله، او متبوعهم على غير بصيرة من الله، او مطاعهم فى معصية الله، او حاكمهم بغير ما أنزل الله.
وهذه الادلة فى بيان دعوة كل رسول، قال تعالى: (إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله).
وأما التفصيل فقال سبحانه وتعالى فى سورة نوح: بسم الله الرحمن الرحيم: (إنا أرسلنا نوحاً الى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم، قال يا قوم إنى لكم نذير مبين، أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون).
ومعنى الانذار: الأمر بالعبادة التى هى التوحيد، والتقوى والطاعة، وذكر الله سبحانه وتعالى ما قاله نوح عليه السلام، فى سورة نوح وما قاله قومه: (وقالوا لاتذرن ألهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا) وهذه أسماء قوم صالحين ماتوا جميعاً، فحزنوا عليهم ونصبوا صورهم، وكان يعكفون عليها ويعبدونها بعد طول المدة، وكان ذلك أول شرك بنى آدم، وسببه الغلو فى الصالحين.
وهذه الصور أصولاً لأصنام قريش ايضاً، وقال تعالى فى إبراهيم الخليل عليه السلام فى سورة العنكبوت:
(وإبراهيم إذ قال لقومه أعبدوا الله وأتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق وأعبدوه وأشكروا له إليه ترجعون) وقال سبحانه فى سورة الشعراء: (وأتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالو نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون او ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، قال افرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لى إلا رب العالمين).
ففى هذه الآيات، أن عبادة أصنامهم هى العكوف عليها، وأنهم لا ينفعون ولا يضرون، وأنهم حملهم على ذلك إتباع آبائهم، وأن إبراهيم عليه السلام قال: (إن العابد والمعبود عدو له إلا رب العالمين)، وقال سبحانه وتعالى فى سورة الممتحنه: (لقد كانت لكم أسوة حسنة فى ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه) ألآية.