مما تقدم يتضح أن الرحمة تشتمل على : الرقة ، والرأفة ، والمغفرة ، وترك العقوبة ، وإرادة الخير . فمعنى الرقة واضح في لين جانب المؤمنين مع بعضهم بعضاً ، حتى يصيروا كالجسد الواحد ، لأن الأشياء الرقيقة المطواعة حين تجتمع إلى بعضها تلين وتلتصق حتى تغدو كتلة واحدة ، لشدة تلاحمها وتماسكها . فالمؤمن يلين بأيدي إخوانه كما قال - صلى الله عليه وسلم - : (( ولِينوا بأيدي إخوانكم . )) ، كما يذل لهم ويتواضع ، كما في قوله سبحانه : ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ ﴾ (1) ، وقوله - عز وجل - : ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ (2) .
ومعنى الرأفة جليٌّ في الشفقة على الضعفاء والمساكين ، كما في قوله سبحانه : ﴿ فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلاَ تَقْهَر وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَر ﴾ (3) ، وإذا استقرت هذه الرأفة في مجتمع الإيمان ، رفعت صاحبها إلى رتبة المجاهد ، أو القائم الصائم ، وبذلك أخبر رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - بقوله : (( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله تعالى ، أو القائم الليل الصائم النهار ))(4) .
(1) من سورة المائدة : ( الآية / 54 )
(2) من سورة الشعراء : ( الآية / 215 )
(3) من سورة الضحى : ( الآيتان / 9 ،/ 10 )
(4) صحيح البخاري مع الفتح : ( ج9 / نفقات ــ 1 ، رقم 5353 )، ومسلم : ( زهد / 41 ) .