وكذلك قول القائل: كل محدث فله محدث، فما من محدث يعلم حدوثه إلا وهو يعلم أنه له محدثًا، كما أنه يعلم أن المحدث الآخر محدثًا، ثم إذا علم أن للمحدث محدثًا، فهذا علم مطلق كلي، ليس فيه معرفة بمعين، وليس هذا معرفة بالله تعالى.
وأما الآية فهي مختصة به، لا يشركه فيها غيره، فالإنسان، وغيره من الآيات تدل على عينه نفسه، لا تدل على نوع مطلق، إذ الدليل مستلزم للمدلول، وهذه الأدلة مستلزمة لعينه لافتقارها إليه، ليست مستلزمة لأمر مطلق كلي، إذا المطلق الكلي لا وجود له في الخارج.
لكن المستدل قد لا يعلم ابتداء استلزامها لنفسه، بل يعرف المشترك أولًا، ثم المختص ثانيًا، كمن يرى شخصًا من بعيد، فيعلم أنه جسم، ثم يراه متحركًا إليه، فيعلم أنه حيوان، ثم يراه منتصبًا، فيعلم أنه إنسان، ثم يراه فيعلم أنه زيد مثلًا، فكان علمه بعينه بحسب أدلته.
والرب تعالى متميز عن غيره بجميع خصائصه.
والناس تكلموا في أخص وصفه.
فقال من قال من المعتزلة: هو القدم.
وقال الأشعري وغيره: هو القدرة على الاختراع.
وقال من قال من الفلاسفة: هو وجوب الوجود.
والتحقيق أن كل وصف من هذه الأوصاف فهو من خواصه.
ومن خواصه أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم.
وكل اسم لا يسمى به غيره: كالله، والقديم الأزلي، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، ونحو ذلك -فمعناه من خصائصه.