أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمَّ [(٥)] يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَذَكَرَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَعَاهُ وَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ [(٦)]
اللهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ، قَالَ: وَكُنَّا وَاللهِ إِذَا حَمِيَ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ الَّذِي يُحَاذِي بِهِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ زَكَرِيَّا [(٧)] .
وَرُوِّينَاهُ فِي حَدِيثِ شَبَابَةَ بْنِ عَاصِمٍ السُّلَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أنا
[(٥)] قال الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٦١٠) .
تضمّن قول السّائل للبراء في الرواية الثانية أولّيتم مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِي الثالثة أفررتم مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَوْلِ البراء رضي الله عنه، فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إنه لم يولّ، وقوله في الرّواية الثانية «لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لم يقر إثبات الفرار، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أنّ إطلاق السّائل يشمل الجميع حتّى النبي ﷺ بظاهر الرّواية الثانية، ويمكن الجمع بين الثّانية والثالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أن البراء فهم أنّ السائل اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع، ومررت برسول الله ﷺ منهزما، فلذلك حلف البراء أنّ النبي ﷺ لم يولّ، ودلّ على أن منهزما حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى «ومررت على رسول الله ﷺ منهزما وهو على بغلته» فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعا، ويحتمل أن يكون السائل أخذ العموم من قوله تعالى: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ فبيّن البراء أنه من العموم الّذي أريد به الخصوص.
[(٦)] انتسب ﷺ إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله لشهرة عبد المطلّب بين النّاس لما رزق من نباهة الذّكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شابّا ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب كما في حديث حماد في الصحيح وقيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله تعالى الخلق على يديه، ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوّج عبد الله آمنة وأراد ﷺ تنبيه أصحابه بأنه لا بدّ من ظهوره، وإن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ﷺ ثابت غير منهزم.
[(٧)] أخرجه مسلم في الموضع السابق، الحديث (٧٩)، ص (٣: ١٤٠١) عن أحمد بن جناب المصصي، عن عيسى بن يونس، عن زكريا، عن أبي إسحاق السبيعي.