قُلْتُ : ومِنْ هَذِه الحِرَفِ المَكْرُوْهَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِمَّا تَبَسَّطَ، وتَوَسَّعَ فِيْها كَثِيْرٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّامِ : احْتِرَافُ مِهْنَةِ تَدْرِيْسِ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ فِي المَدَارِسِ، والجَامِعَاتِ الأهْلِيَّةِ(1)، واحْتِرَافُ الإمَامَةِ، والتَّأذِيْنِ، واحْتِرَافُ تَطْوِيْفِ الحَاجِّ والمُعْتَمِرِ، ومِنْها أيْضًا العَمَلُ فِي الجَمْعِيَّاتِ الخَيْرِيَّةِ(2)، وغيرُ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ الأصْلُ فِيْه طَلَبُ الأجْرِ مِنَ اللهِ كالعِبَادَاتِ، ومَا أعَانَ عَلَيْها(3)
(1) ـ أمَّا المَدَارِسُ، والجَامِعَاتُ الأهْلِيَّةُ، فَلا شَكَّ أنَّها مِنْ بَابِ الإجَارَةِ، وعَلَيْها كَانَتِ الكَرَاهَةُ مُتَحَقِّقَةٌ لِغِيْرِ حَاجَةٍ، أمَّا المَدَارِسُ، والجَامِعَاتُ الحَكُوْمِيَّةُ فَهِي مِنْ بَابِ الرَّزْقِ، أيْ المَالَ الَّذِي يُعْطَى مِنْ قِبَلِ وَلِيِّ الأمْرِ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِيْنَ، وهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِ أخْذِ المَالِ فِيْه، واللهُ تَعَالَى أعْلَمُ .
(2) ـ المَقْصُوْدُ بالجَمْعِيَّاتِ الخَيْرِيَّةِ : مَا قَامَتْ عَنْ طَرِيْقِ أمْوَالِ المُسْلِمِيْنَ، لا بَيْتِ المُسْلِمِيْنَ .
(3) ـ وتَظْهَرُ الكَرَاهَةُ فِي هَذِه المَذْكُوْراتِ : لِمَنْ هُوَ فِي غُنْيَةٍ عَنِ التَّكَسُّبِ بِها، مِمَّنْ فَتَحَ اللهُ لَهُ بَابَ تَكَسُّبٍ غَيْرَها، سَوَاءٌ كَانَ بَابَ تِجَارَةٍ، أو وَظِيْفَةٍ، أو نَحْوِها، ثُمَّ لِيَعْلَمَ الجَمِيْعُ أنَّ الحاجَةَ هُنَا لَيْسَتْ مَتْرُوكَةً للتَّشَهِّي، والكَمَالِياتِ الَّتِي يَعِيْشُها كَثِرٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ !، ويَدُلُّ عَلَى هَذَا أنَّ طَائِفَةً مِمَّنْ رَزَقَه الله كَسْبًا مَشْرُوعًا فِيْه كِفَايِتُه، تَرَاهُم يَرْكُضُوْنَ جَاهِدِيْنَ فِي مَنَاكِبِ الأرْضِ يَتَكَسَّبُوْنَ عَنْ طَرِيْقِ احْتِرَافِ العِبَادَاتِ، ومَا أعَانَ عَلَيْها مِمَّا هو وَسِيلةٌ لَها !