تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فجمع فِي قوله صلى الله عليه وسلم: ( أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي ) مشاهدة المنّة، ومطالعة عيب النَّفْس والعمل.

فمشاهدة المنّة توجب لَهُ المحبّةَ، والحمدَ، والشّكرَ لولي النّعم والإحسان، ومطالعةُ عيب النّفس والعمل توجب لَهُ الذلَّ، والانكسار، والافتقار، والتوبة فِي كلّ وقت، وأن لاَ يرى نفسه إِلاَّ مفلساً.

وأقرب باب دخل مِنْهُ العبد عَلَى الله تَعَالَى هُوَ الإفلاس، فَلاَ يرى لنفسه حالاً، وَلاَ مقاماً، وَلاَ سبباً يتعلّق به، وَلاَ وسيلة مِنْهُ يمنُّ بِهَا، بل يدخل عَلَى الله تَعَالَى من باب الافتقار الصرف، والإفلاس المحض، دخولَ مَن قَدْ كسر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه، حتّى وصلت تِلْكَ الكسرة إِلَى سُوَيدائه؛ فانصدع، وشملته الكسرة من كلّ جهاته، وشهد ضرورته إِلَى ربّه عَزَّ وَجَلَّ وكمال فاقته وفقره إِلَيْهِ، وأن فِي كلّ ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامّة، وضرورة كاملة إِلَى ربه تبارك وتعالى وأنّه إن تخلَّى عَنْهُ طرفة عين؛ هلك، وخسر خسارة لاَ تُجبر؛ إِلاَّ أَنْ يعود الله تَعَالَى عَلَيهِ، ويتداركه برحمته.

وَلاَ طريق إِلَى الله تَعَالَى أقرب من العبوديّة، وَلاَ حاجب أغلظ من الدعوى.

والعبوديّة مدارها عَلَى قاعدتين هما أصلها: حبّ كامل، وذلّ تام.

ومنشأ هذين الأصلين عَنْ ذينك الأصلين المتقدّمين، وهما: مشاهدة المنّة الَّتِي تورث المحبّة.

ومطالعة عيب النَّفْس والعمل الَّتِي تورث الذلّ التّام.

وَإِذَا كَانَ العبد قَدْ بنى سلوكه إِلَى الله تَعَالَى عَلَى هذين الأصلين؛ لَمْ يظفر عدوّه بِهِ إِلاَّ عَلَى غِرَّة وغِيْلَة، وَمَا أسرع مَا ينعشه الله عَزَّ وَجَلَّ ويجبره، ويتداركه برحمته!

ذم النفس والهوى · الصفحة ٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ذم النفس والهوىص ٥٣