تستلزم معشار الجفاء الذى وقع بين الفريقين، وقد نشب خلاف فقهى ونظرى بين مذاهب السنة نفسها بل بين ص _221
أتباع المذهب الواحد منها، ومع ذلك فقد حال العقلاء دون تحول هذا الخلاف إلى خصام بارد أو ساخن. وكان خيرا للشيعة أن يفهموا أن أهل السنة يضمرون أعمق الود لأهل البيت وينفرون أشد النفرة مما يسوءهم. وكان خيرا للسنيين أن يفهموا أن الشيعة يلزمون أنفسهم سنن صاحب هذه الرسالة، ويعدون الانحراف عنه زيغا. أما ما وقع من اختلاف فقهى أو نظرى فلا يعدو أن يكون وجهات نظر لها مصادرها العلمية ونية أصحابها إلى الله وهم ـ أصابوا أم أخطئوا ـ مثابون مأجورون. وقد يتشدد فريق من الناس فيقول عن الفريق الآخر: إنه مخطئ يقينا! ليكن، فما صلة هذا الخطأ بالقلوب وما أودعت من إيمان. هب خطيبا أخطأ فى إعراب كلمة، أو كاتبا أخطأ فى إملائها أو حاسبا أخطأ فى إثبات رقم، أو مؤرخا أخطأ فى ضبط واقعة. هب ذلك كله وقع، فما صلة هذا الخطأ بحقيقة الدين، ونظم عباد الله طورا بين المؤمنين وطورا بين الكافرين؟ إذا كان الرجل يؤمن معى بكتاب الله وسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويصلى الخمس كل يوم، ويصوم رمضان كل عام، ويحج البيت إن استطاع إليه سبيلا فكيف أستبيح تكفيره لأنه أخطأ الفهم فى بعض القضايا أو أخطأ الوزن لبعض الرجال؟ ليكن هناك خطأ حقيقى وقع فيه هذا أو ذاك، خطأ لا أقبل الاعتراف به، فلماذا لا يترك البت فى هذه الأمور للزمان المتطاول يحل المشكلات الفقهية والنظرية بدل أن تحل فى معارك الجدل الذى يفقد فيه المجادلون ضمائرهم وصفاءها، أو تحل فى معارك القتال الذى تنحل فيه عروة الإيمان ويزأر فيه صوت الشيطان. إن الخلاف الفقهى أو النظرى فى كثير من الأمور ليس خبزا نتناوله كل يوم، والقضايا التى دار فيها هذا النزاع يمكن للمسلمين اطراحها جانبا ونسيانها أمدا، يشتغلون خلاله بالبناء لا بالهدم، بالعمل لله فى المحاريب المخبتة أو فى الميادين