فإن الإسلام منح المسلمين حرية الفكر في جميع المعقولات ، بل وأوجب على المسلم التفكير فيما ينفع نفسه وينفع غيره وفيما يقيه الضرر والأذى ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : (( الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا )) (1) ).
ثانياً : معالم حرية التعبير في الإسلام :
حرية الكلام والتعبير حق فطري ، لأن التعبير عما في الضمير فطرة فُطِرَ عليها الإنسان يعسر بل يتعذر إمساكه عنها ، فكان الأصل أن لكل إنسان أن يقول ويحاور ويناقش ولا يمسكه عن ذلك إلا وازع الدين بأن لا يقول لغواً أو ينطق باطلاً .
... وفي الحديث : (( . . . قَالَ أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ )) قُلْتُ بَلَى؛ يَا نَبِيَّ اللَّهِ . فَأَخَذَ؛ بِلِسَانِهِ فقَالَ : (( كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا )) . فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؛ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟! فَقَالَ : (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ؛ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) (2) ).
والأصل في حرية القول هو الصدق في الإخبار ، وتتبّع الحق واتّباعه ؛ قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (3) ﴾ ).
الفصل الخامس
ضوابط الحرية
إن الحرية بلا قيود ولا ضوابط عقلية وخُلقية ودينية لا يصلح بها أمر الإنسان والمجتمعات أبداً ، فالحكمة تقتضي أن لكل شيء حدوداً وقواعد إذا غابت يُضْحي وجود الحرية عبثاً ، فهي إن تُركت سائبة بلا حدود فغايتها الضلال والسقوط في الهاوية ، وأمامنا الأمم السابقة أدلة واضحة على ذلك .
(1) ... ر؛ سنن الترمذي ج 9 ص 301 وسنن ابن ماجه ج12 ص205.
(2) ... ر : سنن الترمذي ج9 ص 202 قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
(3) ... التوبة : 119 .