تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* من حيث الفصاحة وقوَّة البيان:

كانت خُطبه - صلى الله عليه وسلم - في مقام لا يداني من قوة السبك، وجزالة المعنى والمبنى، ولا غرو؛ فهو أفصح العرب، وأعلمهم بدقائق اللغة وأسرارها وتراكيبها ومدلولاتها، ولقد أمره الله عزَّ وجلَّ بالبلاغ المبين فقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (1).

ولا يتأتَّى البلاغ المبين إلاّ بالفصاحة والإِنابة على أتمِّ وجهٍ وأكمله، قال القاضي في «الشفا» بعد أن ذكر ودلَّل على معرفته - صلى الله عليه وسلم - باللهجات: وأما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة وجوامع كلمه المأثورة، فقد ألَّف الناس فيها الدواوين، وجُمعت في ألفاظها ومعانيها الكتُب، ومنها ما لا يوازَى فصاحة ولا يُبارَى بلاغة، كقوله: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على مَن سواهم».

وقوله: «الناس كأسنان المشط»، و «المرء مع مَن أحبَّ»، و «لا خير في صُحبة من لا يرى لك ما ترى له»، و «الناس معادن»، و «ما هلك امرؤٌ عرف قدره»، و «المستشار مؤتَمن وهو بالخيار ما لم يتكلَّم»، و «رحم الله عبدًا قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم» ... ! (2)

لقد غدت خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - منار قدوةٍ ونبراس هدى، يؤمّها الخطباء والعلماء والمصلحون في كلِّ عصرٍ ومصر فلا ينضب لها معين، ولا ينتهون منها إلى قاع، فلله الحمد على ما أنعم وتفضل.

(1) سورة النور: 54.

(2) الشفا 1/ 77، 78.

الدراسة النظرية للخطابة · الصفحة ٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الدراسة النظرية للخطابةص ٣٠