تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما وقع نظر جميع رجال الحرس على القائد ليجييه وهو نازل من العربة، تبعوه ليقوموا بتنفيذ أوامره، ورغم شدة إطلاق النيران، أمكن استكشاف مواقع العدو بلا عائق؛ لأن هذه النيران مع شدتها لم تكن فتاكة، وما ذلك إلا لأن المكسيكيين كانوا مضطرين أن يلبثوا محجوبين عن الأعين لكيلا تصوب نحوهم طلقات البنادق.

ولما تحقق القائد أنه ليس في الاستطاعة الهجوم على العدو من الجنب، أراد أن يهاجمه وجها لوجه، فقذف بالأربعة عشر جنديا إلى المرتفعات، ولكن هذه كانت مغطاة بالآجام المتناهية في الكثافة، فما استطاعوا تسلقها، واضطروا أن يرتدوا على أعقابهم، واتخذوا من العربات مرة أخرى وقاية لهم. وفي غضون هذه الحركة أصيب القومندان ليجييه بجرح مميت، وجرح أيضا جنديان من البحارة. فبث هذا الفوز الحماسة في نفوس المهاجمين، فضاعفوا الطلقات، وصار لا محيص من التقهقر. وفي اللحظة التي كان يصعد فيها القومندان ليجييه إلى العربة بمساعدة بلال حماد، أصيب هذا بطلق ناري فخر صريعا وقضى نحبه. وعندئذ تطوع بخيت بدرم وأتوم سودان وحملا أولا القومندان ليجييه ووضعاه في عربة السكة الحديد، ثم رجعا إلى بلال حماد وكانت تحميهما في هذه الفترة نيران من بقي من الحرس المبعثرين خلف جميع العربات.

ومن هذه الساعة تسلم الملازم شرر القيادة العامة، ورتب رجاله بطريقة تلاشي كل محاولة هجوم يقوم بها المكسيكيون لأخذهم عنوة، ثم أرسل أحد رجال السكة الحديد إلى تيجريا

Téjéria

وإلى فيراكروز

Vera-cruz

ليعلموا رياسة القومندانية بموقفه ويطلبوا منها إرسال نجدات.

وكانت تيجريا في ذلك الوقت تحتلها فصيلة من السودانيين المصريين، مؤلفة من ضابط واحد و45 جنديا، وكانت هذه الفصيلة تحت إمرة الملازم الثاني رازود

Razaud

من ضباط الألاي الأجنبي. وهذا الضابط كان قد أخبره جواسيسه من الصباح الباكر بأن عددا عديدا من المكسيكيين يتألف من 250 إلى 300 رجل تقريبا يضربون في جوانب القفار، وعلى ذلك أخذ عدته وتأهب لمقابلة الطوارئ، فما كاد يبلغه هذا النبأ حتى قام بكتيبته المصرية السودانية مسرعا، وولى وجهه شطر اللوما دولاريفيستا سالكا أقصر طريق.

واستمرت رحى الحرب دائرة في غضون هذه الفترة، وكان رجال حرس القطار يصوبون بإحكام بنادقهم على المكسيكيين، ولا بد أن نيرانهم ألحقت بهؤلاء أضرارا بالغة، ويستدل على ذلك من أنهم أرادوا مرارا تخلصا مما حاق بصفوفهم من الضيق والكرب أن يحاولوا النزول من الجبل لينازلوا الحرس جسما لجسم، ولكن كل محاولاتهم ذهبت هباء وفشلت فشلا تاما، وقتل المدعو أتوم سودان رجلين منهم كانا قد وصلا إلى مكان لا يبعد عنه سوى بضعة أمتار.

وظل العدو يشن الغارة أكثر من ساعة حتى بدا في طلقاته النقص، ثم فترت فجأة وانقطعت بعد دقائق معدودات، ومع هذا لم يشأ مسيو شرر أن يخرج عن دائرة خطة الدفاع؛ خوفا من أن يكون انقطاع النيران حيلة مدبرة، وظل وقتا يسيرا ملازما التربص، ثم عقب ذلك ذهب رجل من الهنود المحليين للاستكشاف، ولم يلبث أن عاد وأخبر أن المكسيكيين زايلوا أماكنهم ولم يبق منهم ديار، والسبب في ذلك أن كشافة المكسيكيين أخبروا رئيسهم بقدوم حامية تيجريا

Téjéria ، فشدوا رحالهم وتركوا الميدان؛ اتقاء الوقوع بين نارين.

وتسنى عندئذ لحراس القطار أن يستريحوا ويتنفسوا الصعداء ويعاونوا المجروحين، وبلغت الخسائر مبلغا لا يستهان به؛ فأدركت المنية القائد ليجييه وبلال حماد وسائحا مكسيكيا، وجرح مسيو ليونز - مدير مصلحة السكة الحديدية - والقس سافيللي وجندي جروحا خطيرة. وأما مسيو شرر وبوتنابل وتسعة أشخاص من الجنود والمسافرين فجروحهم لحسن الحظ كانت أقل خطرا من جروح من سلف ذكرهم. وفي الحال صار الاهتمام بأمر الجرحى فضمدت جراحهم وأسعفوا بكل ما يلزمهم، وبعد ذلك بقليل؛ أي قبيل الساعة العاشرة والنصف، كان الجميع قد عادوا إلى فيراكروز، ونقل البعض من الجرحى إلى منزله، والبعض الآخر إلى المستشفى.

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيكص ٣٤