تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

بجيشه في جنح الظلام، حتى دخل مدينة الفاشر وأشعل بها حريقا هائلا التهم كثيرا من دور المدينة؛ فاضطر السيد بك جمعة وحاميته إلى التسليم.

هذا؛ وقد نقل أبو بكر بك الحاج إلى القلابات بناء على طلب خاله النور بك عنقره الدنقلاوي الذي كان مديرا لكبكابية كما ذكرنا، وصار أخيرا من قواد المهدية المبرزين، وهو الذي رد الكتائب الإنكليزية التي تألبت لإنقاذ الجنرال غوردون بعد أن فتك بقائدها الجنرال استيوارت في المتمة. ولما بلغ الأمير الزاكي طمل زحف الإمبراطور يوحنا بجيوشه للغارة على جيوش المهدية بالقلابات، انتدب أبا بكر بك الحاج في قوة تتألف من نحو 3000 مقاتل لمقابلة الأحباش والسير أمامهم ورفع أخبارهم إليه، وأرفق معه رجلا يدله على الطريق التي جاء بها الأحباش، وكان الدليل ماكرا خبيث الطوية؛ ففر منه ليلا وسار إلى الإمبراطور يوحنا وأبلغه بقرب العدو، فانتدب النجاشي أحد رءوس الأحباش بقوة تقدر بنحو 10000 مقاتل، سارت بدلالة ذلك الرجل العاق لوطنه العامل على تخريب بيته بيده وأيدي بغاة الأجانب، حتى باغتت أبا بكر بك بهجوم عنيف، وأنه قابلهما بدفاع مجيد، ولما شعر بتفوق العدو وتهوره في الهجوم، أخذ ينسحب من أمامه بطريقة عسكرية مثلى، وهي أن يدافع قسم وينسحب آخرون، إلى أن تجاوز منطقة الخطر، وبعد وصوله القلابات أخبر الزاكي القائد العام بذلك. وقد تحصنت جيوش المهدية بداخل زريبة من الشوك. وفي يوم 9 مارس سنة 1889 بعد أن بزغت الشمس وأضاءت الأفق بنورها، عاد الجو وتلبد بالعجاج، واكفهر بظلام حالك، وجاءت الوحوش فارة من الغابات أمام جيوش الأحباش التي كانت تقدر بمئات الألوف، يقود كل فيلق رأس كالرأس ألولا، والرأس هيلو مريم، والرأس منقاشي، والرأس تسما، والرأس ودهنشوم، والرأس مكيال، والرأس برنبرص، وغيرهم. وهناك أحاطوا بأنصار المهدية كإحاطة السوار بالمعصم، وبدءوهم بهجوم عنيف تحت وابل من مقذوفات البنادق وكرات المدافع التي برحت بهم تبريحا فظيعا، حتى صيرت منهم أكداسا حول الحصن، وكان بعض المقتولين قابضين بأيديهم على أغصان الزريبة وهم جثث هامدة.

ورغما عن ذلك فقد توفق الهاجمون إلى كسر ضلع من الزريبة، ودخل قسم منهم بقيادة الرأس الولا والرأس ودهنشوم، والرأس منقاشي والرأس برنبرص، وكان الأمير الزاكي يقف في وسط الزريبة ومعه قوة احتياطية تتألف كالآتي:

1300

مقاتل بقيادة الزاكي نفسه

500

مقاتل بقيادة أبي بكر بك الحاج

500

مقاتل بقيادة عبد الله ود إبراهيم

2300

فكرت الثلاث فرق الاحتياطية هذه على الأحباش الذين ولجوا الزريبة وفتكت بكثير منهم، وقتل الرأس ودهنشوم بالجامع، وأكره الباقون على الخروج من الزريبة. ولما أخفق الأحباش في هجومهم، عطفوا على الديم حيث تقيم العائلات، وأشعلوا النار في المنازل، وسبوا العائلات والأولاد، وفروا بها يريدون العودة إلى بلادهم؛ لأن الإمبراطور قتل ولكن أخفي موته ووضع داخل صندوق.

هذا؛ وقد تأثرهم الأنصار فأدركوهم في نهر العطبرة، وباغتوهم بهجوم عنيف في غسق الليل، فترك الأحباش العائلات، وكانت النساء المسبيات يزغردن بين الأعداء سرورا بهمم أبطالهن، وكان الرصاص يفتك بهن وبأطفالهن وبالأعداء الذين قذفوا بأنفسهم في نهر العطبرة فقتلوا به، حتى تغير لون الماء بدمائهم وعاف الناس الشرب منه زمنا طويلا. وقد مثل أبو بكر بك الحاج في غضون هذه الملحمة من ضروب الشجاعة ما يدعو إلى الإعجاب، ولنرجئ البقية إلى فرصة أخرى.

8

ثم كتب إلينا بتاريخ 24 فبراير سنة 1934 الرسالة الآتية. وهاك نصها بعد الديباجة:

فاتني أن أذكر لسموكم الزمان والمكان اللذين توفي بهما القائمقام أبو بكر بك الحاج لاختلاف الرواة الذين قال بعضهم: إنه قتل في حرب الشلك في أعالي النيل، وذهب آخرون إلى أنه توفي قضاء وقدرا في كردفان في غضون حكم المهدية، وكتبت لبعض الأصدقاء بالخرطوم فورد لي الرد من أحدهم يقول: إنه سأل غير واحد ولم يصل إلى نتيجة حاسمة، ولم أزل في انتظار الرد من آخرين. (1)

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيكص ٢٧