3
سكان شمال دارفور. وبعد مبايعته عاد منهم رجل يدعى حسابو محمد ينيو إلى مديرية شكا، وزعم أن المهدي بعثه خليفة عنه في دارفور. فما كادت القبائل تسمع منه ذلك حتى التفت حوله قبائل المعاليا والأسرة والزيادية والحوطية والماهرية والشطية وتنجر وزغاوي. وسار في جحفل تخفق فوقه الأعلام والبنود لحرب مديرية كبكابية
4
التي كانت بها طابية عظيمة مسلحة ببضعة مدافع، وبها أورطتان من الجنود النظامية كان يقود أحدهما أبو بكر بك الحاج كما ذكرنا، ويقود الثانية القائمقام آدم بك عامر التنجراوي.
5
ولما بلغ العدو كبكابية عسكر في شمال الاستحكام على مرأى من الجنود، وفي اليوم التالي هاجم الجنود المصرية التي قابلته بنار حامية، ودامت الحرب سجالا بينهما من شروق الشمس إلى ما بعد الزوال. ولما عجز الثوار عن اقتحام الاستحكام تراجعوا بعيدا عن مرمى قذائف المدافع وبدءوا بحصره. وكانت خيلهم تمنع كل من خرج ليحتطب أو ليأتي بالقش لعلف دواب الحملة، حتى شعر الناس ببعض الضيق. وهناك رأى آدم بك عامر - نائب المدير - ضرورة الخروج لضرب ذلك الطاغية وخضد شوكته، أو على الأقل طرده بعيدا عن المدينة قبل اتساع الخرق على الراقع، فانتدب لذلك الغرض نحو 500 جندي بقيادة أبي بكر بك الحاج، ورافقه بضعة ضباط كاليوزباشية حسن أغا العريفي، وعلي أغا تقل من أورطة آدم بك، ومرسال أغا برنقل، وغيره من أورطة أبي بكر بك. فخرجت تلك القوة في جنح الظلام من طابية وسارت شرقا كأنها تريد الوصول إلى الفاشر. وبعد ساعتين عرجت في سيرها نحو الشمال، وبعد قليل عطفت غربا حتى بلغت معسكر العدو في الثلث الأخير من الليل وهو في سبات عميق من النوم لا حارس ولا رقيب له، فصف أبو بكر بك الجنود نصف دائرة وصاروا يتختلون وراء الأشجار حتى أحدقوا بالعدو وباغتوه بإطلاق النار؛ فهب الأعداء من سباتهم مذعورين هاربين بعد خسائر فادحة. وكان ضمن قتلاهم الشيخ حسب الله زعيم بادية الحوطية وغيره من الأعيان. وعاد أبو بكر بك إلى الطابية بكثير من الغنائم والخيل والمؤن، وهناك أطلقت المدافع إيذانا بالنصر، ودهش الناس لفوز تلك القوة الصغيرة على جند يقدر بنحو 8000 مقاتل. أما حسابو بعد هذه الصدمة فقد تحقق عجزه عن مقاومة طابية كبكابية؛ ومن ثم سار منها إلى حصر مدينة كلكل التي لم يكن بها سوى بلوك واحد ومدفع جبلي.
وفي ديسمبر سنة 1883 عين المهدي السيد محمد خالد زقل أميرا لدارفور، فسار إليها في جيش جرار، وما كاد يصل دارا حتى قابله مديرها العام سلاتين باشا بالتسليم بعد أن اختتن وأعلن إسلامه. وواصل أمير المهدية زحفه على الفاشر التي كان بها مدير مصري يدعى السيد بك جمعة، وهذا هو الذي تجلت فيه صفات البطولة ولم يأبه لإسلام سلاتين باشا وانضمامه إلى العدو، بل حسر عن ساعد الجد، وقابل جند المهدية كما يقابل العدو عدوه، إلا أن الأمير السيد محمد خالد زقل قسم جنده على ثلاث نقط حول الفاشر، وهي في وداي ودبيرى جنوب المدينة على بعد ساعتين منها، وفي سويلنق الذي هو غدير شرق الفاشر على بعد ساعتين أيضا. وفي جبل حلوف في الشمال الشرقي من المدينة على بعد ساعة واحدة؛ ومن ثم أخذ في مهاجمة الجنود المصرية التي كانت في حصن به مزاغل. وكان السيد بك جمعة يراقب إطلاق المدافع بنفسه بحرص وإباء عظيمين. هذا وقد كتب أمير المهدية خطابا رقيقا إلى آدم بك عامر وأبي بكر بك، دعاهما فيه إلى التسليم بعد أن أفهمهما بانتصارات المهدي على حملة يوسف حسن الشلالي باشا في قدير، وتسليم محمد سعيد باشا مدير كردفان وحامياته، وهلاك حملة الجنرال هكس، وحملة علي بك لطفي، وحصر سنار والخرطوم، وإسلام سلاتين باشا وإيمانه بالمهدية. فما كاد يصل ذلك الخطاب إلى ضباط كبكابية حتى عقدوا مجلسا قرروا فيه التسليم حفظا لكرامتهم، وكتبوا الرد بذلك للأمير، وأخلوا الطابية وساروا مع العائلات والأولاد إلى الفاشر، وقابلوا السيد محمد خالد زقل في وداي ودبيري فبايعهم بالنيابة عن المهدي، وانخرطوا في سلك أتباعه، ولم يكلفهم شيئا سوى لبس جبب المهدية ذات الألوان. وهناك زاد الطين بلة على المحصورين، حيث دفن الآبار التي كان يشرب الجنود منها، وتقدم رجل يدعى جدو سلطان قبيلة ميما