وفي غضون شهر ديسمبر سنة 1865م، بلغ قائد فيراكروز أن إمبراطورة المكسيك ستمر بها في ذهابها إلى اليقطان (إحدى ولايات المكسيك)؛ فاتخذ الاحتياطات اللازمة لاستتباب النظام وتأدية مراسم التشريفات لدى وصولها إلى الأراضي الحارة.
وفي صبيحة 14 منه، سافر حرس مؤلف من ثلاثين جنديا من الأورطة السودانية المصرية بالقطار المخصوص الذي ركبه الحاكم والأعيان الذين وفدوا لمقابلة جلالتها.
ولما وصلت إلى فيراكروز، أطلق رجال مدفعية الأورطة بقيادة أحد ضباطها واحدا ومائة مدفع إكراما لجلالتها. وتألف من الحامية المؤلفة من جنود الأورطة وجنود آخرين صفان من المحطة إلى القصر، وأقيم قره قول شرف من خمسين جنديا من جنود الأورطة في القصر بقيادة يوزباشي وملازم.
ولما كانت الإمبراطورة قد أزمعت مبارحة فيراكروز في صباح الغد، فقد سافرت قبلها كوكبة الفرسان السودانية المصرية لتستكشف الطريق وتصطف على طول السكة الحديدية. ولم تلبث الإمبراطورة سوى بضعة أيام. ولدى إيابها عمل لها جميع ما عمل من التشريفات والاحتفالات عند مرورها بفيراكروز. ولما رجعت إلى مكسيكو، أعربت للإمبراطور مكسيميليان عن رضاها وارتياحها لهندام الجنود السودانية ومؤهلاتهم العسكرية التي حازت إعجاب جميع رجال البلاط؛ فتكرم الإمبراطور وأعلن عطفه السامي عليهم بمنح كل جندي من جنود الأورطة علاوة يومية على الراتب قدرها
سنتيما (1,15ج تقريبا)، وأنعم على الضباط ببعض الأوسمة المكسيكية.
وقد خاضت الأورطة في غضون عام 1865م غمار ثماني عشرة معركة.
| عام 1866م
انتهت أدوار الوقائع الحربية الكبرى على أثر انقضاء العام الفارط. وكان من المعتزم تمضية الأشهر الأولى من هذا العام الجديد في توطيد إدارة منظمة في الأقاليم، والإقبال على تنمية قوات الإمبراطورية الجديدة وتعزيزها. لكن حال دون ذلك انضمام أحزاب جديدة في كل يوم إلى رجال الفوضى وعصابات اللصوص، فكان ذلك باعثا إلى زيادة تقدير الخدم الجلى التي كانت تقوم بها الأورطة السودانية المصرية يوميا. ولم يستتب الأمن في المنطقة المخفورة بالنقط التي يحتلها هؤلاء الجنود إلا بفضل مواظبتهم على مطاردة تلك العصابات المتحازبة. وكثيرا ما كانت تنقلب هذه المطاردات إلى حرب عوان تنتصر فيها دوما الجنود السودانية المصرية مع قلة عددهم في كل المرات عن عدد أعدائهم.
وفي بداية عام 1866م، لم تكن الأورطة السودانية المصرية الجديدة قد استعدت بعد للذهاب إلى المكسيك لتحل محل الأورطة السودانية التي بها، مع أن الخديوي إسماعيل أصدر في 10 ذي القعدة سنة 1282ه/27 مارس سنة 1866م أمرا إلى وكيل الشركة العزيزية «الشركة الخديوية فيما بعد» ليصدر التعليمات اللازمة لنقل جنود الأورطة الجديدة إلى مصر، وهذا نصه:
علمنا من الخطاب الوارد من حضرة صاحب السعادة جعفر باشا - حكمدار السودان - أنه أرسل من «تاكه» إلى ميناء سواكن أربعمائة جندي سوداني مع عائلاتهم لإرسالهم إلى مصر. ولمناسبة عدم وجود ركاب أو بضائع بكثرة في هذا الأوان بجدة لنقلهم إلى السويس، فبدلا من عودة بواخر الشركة التي بجدة ببعض ركاب أو بضائع قليلة، يمكن لإحدى بواخر الشركة التي بجدة أثناء العودة المرور على سواكن وأخذ هؤلاء العساكر منها وأيضا البضائع التي تجدونها، وذلك أفضل من عودتها فارغة، وبذلك تستفيد الشركة. وقد حرر هذا لإصدار التعليمات اللازمة.
ورغم كل هذه الأوامر والتعليمات، لم تسافر هذه الأورطة إلى المكسيك لمجاوزة مدة تجهيزها الحد المألوف بسبب ما حدث من الطوارئ، ولما تبين أن الحرب أوشكت أن تضع أوزارها، وأن الأورطة التي بها قد دنا رجوعها إلى وطنها.
وفي يوليو سنة 1866م مرت الإمبراطورة بفيراكروز لتبحر منها إلى أوروبا، ولم يكن بهذه المدينة من الجنود غير عساكر الأورطة السودانية المصرية لتأدية التشريفات اللازمة لها.