ومنها: إذا وجد الإمام من قد سبقه من الأئمة يأخذ الخراج من بلد وأهله يتبايعون أملاكه، فبمقتضى أخذ الخراج أن يكون وقفا - فلا يباع وهذا أصل - وبمقتضى بيعه أن لا يؤخذ منه خراج - وهذا أصل آخر - وقد نص الشافعي رحمه الله على أن الإمام يأخذ الخراج ويمكنهم من بيعهم إعطاء لكل يد حقها. ففي هذا المثال أعمل الأصلين.
رابعا: مما استثني من مسائل هذه القواعد ووجب العمل بكل من الأصلين:
إذا تعارض أصلان ولم يتقدم أحدهما على الآخر يعمل بكل واحد منهما.
مثاله: العبد المنقطع الخبر تجب فطرته على سيده. ولكنه لو أعتقه عن الكفارة لم يجزئه؛ لأن الأصل شغل الذمة فلا تبرأ إلا بيقين والعبد الغائب لم تتيقن حياته لكي يجزئه عن كفارة يشترط فيها يقين الحياة.
والأصل الثاني بقاء الحياة استصحابا فتجب فطرته، ولو مع الشك في حياته ويمكن أن يدخل في المستثنى المثال السابق لهذا النوع أيضا.
القاعدة الثامنة عشرة بعد المائة [تعارض الأصل والظاهر]
أولا: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الأصل والظاهر (1).
ثانيا: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق أن معنى الأصل: القاعدة المستمرة.
والظاهر والغالب: عبارة عما يترجح وقوعه ويغلب على نقيضه.
فإذا تعارض أصل وظاهر أو غالب فما المرجح منهما؟
المسألة فيها تفصيل:
قال الزركشي: فيه قولان.
وقال النووي: وقول الأصحاب - أي الشافعية - من قال: إن كل مسألة تعارض فيها أصلان أو أصل وظاهر ففيها قولان، ليس على ظاهره ولم يريدوا حقيقة الإطلاق، فإن لنا مسائل يعمل فيها بالظاهر بالإجماع ولا ينظر فيها إلى أصل براءة الذمة فقط، كمسألة بول الحيوان (2). ومسائل يعمل فيها بالأصل قطعا كمن ظن أنه أحدث أو طلق أو أعتق أو صلى ثلاثا
(1) أشباه ابن الوكيل ق 2 ص 271، قواعد ابن رجب ق 159، أشباه ابن السبكي ج 1 ص 14، المنثور ج 1 ص 311، أشباه السيوطي ص 64، المجموع المذهب لوحة 31 ب فما بعدها.
(2) وهي مسألة ذكرها الشافعي رضي الله عنه وهي: إذا رأى ظبية أو حيوانا آخر بال في ماء راكد، ثم بعد مدة جاءه فوجده متغيرا، فهل يحمل التغير على طول المكث فيكون الماء طاهرا لأن الأصل فيه الطهارة، أو يحمل على بول الحيوان المشاهد، وهو الظاهر؟ فالشافعي أعمل الظاهر وهو بول الحيوان لا الأصل وهو طهارة الماء، المجموع المذهب لوحة 32 أ.