وثاني ما يلفت نظرك لهذه الآيات أنك تشعر بفرق كبير بين ما تراه في واقع الأرض المحتلة وكبرياء بني إسرائيل وتعاظمهم وقوتهم ، وبين الآيات التي تصفهم بالذلة والمسكنة والغضب الإلهي والخسران ! الفرق واضح وكبير ، فالكلمات ضربت عليهم الذلة ، وضربت عليهم المسكنة تعني الاستمرار . فهذا الفعل الماضي ( ضربت ) يعني أن الله تعالى فرض ذلك ويظل الفرض جارياً ما استمرت هذه الحياة ، فهو شبيه بقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ ( البقرة : 183 ) فالفرض دائم ما استمرت الحياة بالمسلمين ، فلماذا إذن نجد دولة لبني إسرائيل ، وهي دولة واضحة يعرفها أهل الأرض ، وقد أوقدوا ناراً للحرب ولم تطفأ بل نجحت بها وتبجحت ! .
والإجابة على ذلك ليست صعبة ، لقد قال فقهاء كثيرون أن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، وما جاء في سورة الإسراء في الآية الرابعة حتى التاسعة أي من قوله تعالى : ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً ﴾ ( الإسراء : 4 ) حتى قوله تعالى : ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ ( الإسراء : 9 ) هو التفسير وهو التكملة في موضوع بني إسرائيل ، أي أن الآيات الواردة في سورة الإسراء تُكَمِل وتُفَسِر ما ورد في سورة البقرة وفي سورة آل عمران وفي غيرها من السور ، وبجمع هذه الآيات كلها في وعاء واحد ندرك أن الحلقة التي بين أيدينا متكاملة ، وهي على الصورة التالية :