الأول: أنهم أعطوا الاتفاق السابق بين الآمر الراغب بالشراء والمأمورشبهة العقد، فأورث ذلك شُبهاً منها أن المأمور البائع يبيع ما ليس عنده؛ فكان حكمهم على المسألة مرتبطاً بقدر قرب هذا الاتفاق إلى العقد، ومعياره هنا وضوح عنصر الثمن؛فكانت الصورة الأولى والثانية، حيث لا نص على قدر الثمن جائزة مع الكراهة أو بدونها، وكانت الصورة الثالثة محظورة، لتوفر عنصر الثمن معلوماً بيّناًًًًًًً.
الثاني: أن هذه المسألة قد تنطوي على شبهة الربا برغبة البائع بتحقيق ربح مضمون من المشتري، بتمويله بالثمن وقد عجز المشتري عن دفعه نقداً ابتداءً؛ فكان ذكر الربح مورثاً للكراهة، والنص على قدره مورثاً للحظر، لأنه أدل على تحقق فائدة البائع من جرّاء قيامه بالعمل التمويلي (بحسب مفهوم المالكية) وسيأتي مزيد بيان لهذا لاحقاً.
صورٌ للعينة المحظورة:
وذكر المالكية أنه لو قال: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا آخذها منك باثني عشر نقداً. فهي ممنوعة أيضاً رغم انعدام الأجل، ووجه المنع اجتماع السلف والإجارة، وفي ذلك شبهة بالربا، إذ أن المأمور هنا أجير للآمر ليشتري السلعة له بدليل قول الآمر: ( لي)، ولكن المأمور هنا لا يستحق أجراً (ربحاً) نظراً لأنه دفع الثمن من عنده ليرجع إلى الآمر، ولو صحَّ له أخذ الأجرة عن الإجارة، لأدّى ذلك إلى شبهة أخذها مقابل سلفه للآمر لا للإجارة، ويكون قول الآمر حينئذ:( وأنا آخذها منك ) لغواً لا معنى له، لأن العقد له وبأمره، فإن كان النقد من عند الآمر أو من عند المأمور بغير شرط مسبق، فذلك جائز لانتفاء شبهة السلف حينئذ، فتنتفي شبهة الربا.(1)
(1) المدونة للإمام مالك: 5/401.