وكذلك لا يمكن أن تنطبق على المعنى الثاني، لأن تصرّف البائع في الشراء ليس من الفضول في شيء، لأنه إنما يشتري بتوجيهٍ من المشتري، وغالباً ما يوجِّه المشتري البائعَ إلى شراء سلعةٍ ما لا يبيعها من السوق. ثم إن النهي ينصبُّ في هذا المعنى للغرر، باحتمال عدم موافقة المالك، وهو ما لم يقصده المالكية في العينة.
أمّا المعنى الثالث، فهو ما يمكن أن يشمل ما فسَّر به المالكية تلك المسألة، ذلك أنهم قالوا بأن البائع في العينة يبيع المشتري شيئاً وصفه المشتري له، واتفق معه على شرائه منه. إلا إن هذا الشيء في العينة قد يكون من جملة ما يمكن أن يوصف في الذِّمَّة، وقد يكون عيناً محدَّدة بالذات. وأيّاً كان الأمر فهو غير مملوك له، وهذا ما أراده المالكية.
أمّا تفسير ذلك في مسألة العينة من وجهة نظر المالكية المتشدِّدة في هذه المسألة: فإن الاتفاق الذي حصل بين الآمر(المشتري) والمأمور (البائع) قبل شراء البائع المأمور السلعة، والذي ترتَّب عليه توجُّهُ المأمور لشراء تلك السلعة لتؤول إلى الآمر، جعل المأمور قد باع تلك السلعة قبل شرائها، إذ ما إقباله على شرائها إلا ليبيعها إلى الآمر، فكان شراء المأمور أثراً ترتب على الاتفاق السابق بينهما، الذي موضوعه بيع السلعة من المأمور إلى الآمر، وما هو إلا خطوة لا بدَّ منها في سبيل امتلاك الآمر السلعة شراءً من المأمور.
وقد يقال هنا ثانياً بأن تلك الشبهة إنما تتحقق إذا اعتبرنا ما حصل بين الآمر والمأمور عقداً، أي عقد بيع وشراء، لا مجرد مواعدةٍ بينهما، فكيف يُحكم بتمكّن تلك الشبهة وتُفسَّر المسألة بها، مع أن الحاصل بينهما ليس عقداً بل مواعدة ؟