كما يمكن للوالد إشراك ولده في الإنفاق في بعض مشتريات البيت واحتياجاته الصغيرة، فيتدرب على الإنفاق ويتعود البذل. ويحاول الأب أن يذم أمامه البخل والشح ويمقته؛ ليتكون عند الولد التصور النظري لقبح هذه العادة وأهلها والولد يمكن أن يتعلم الإنفاق عندما يشاهد والده في بعض الأوقات يخرج من جيبه نقوداً فيعطيها فقيراً أو محتاجاً، فربما قلد أباه في ذلك، ولا بأس أن يعطي الوالد ولده بعض النقود ويكلفه بالتصدق بها على بعض المحتاجين في المسجد مثلاً أو الجيران، ويحاول الأب في كل هذا أن يظهر لولده أن هذا الإنفاق وإعطاء المحتاجين من الناس واجب وليس فضلاً من المنفق، وذلك لحماية الولد من الشعور بالزهو والافتخار لإنفاقه، فإنه إن خرج من صفة البخل بإنفاقه وقع في صفة الكبر الذميمة بزهوه وافتخاره.
فإن ظهر من الولد شيء من علامات البخل وحب جمع المال، فإن دور الأب في ذلك التخفيف من حدة هذا الحب شيئاً فشيئاً حتى يستأصله بالكلية من نفسه، فيذم عنده البخلاء، ويمتدح عنده المنفقين، كما تقدم. ولو فعل ذلك بطريقة غير مباشرة كان أفضل، كأن يمدح أمامه أخاه الكبير الذي أخرج بعض نقوده تبرعاً للمجاهدين في سبيل الله، أو أن يذكر عنده ابن الجيزان الذي أعطى أحد الفقراء بعض مصروفه اليومي، أو يقص عليه قصة ولد أعطى إخوته بعض ألعابه وهكذا، فهذه القصص والوقائع إذا ذكرت أمامه دفعته لأن يسلك سبيلهم ويقتدى بهم. فإن أظهر الولد شيئاً من الكرم- ولو كان يسيراً- فإن الوالد يثيبه عليه، ويمدحه عند أقاربه وأقرانه، فيحس الولد أن هذا العمل حسن، فيتعوده ويواظب عليه.
ولتشجيع الأولاد على أعمال الخير والإنفاق يمكن للأب في بعض الأحيان عندما يجلس لأولاده ويحدثهم أن يسألهم: "من تصدق منكم اليوم على مسكين"؟ ربما في المرة الأولى لن يجيبه أحد منهم، ولكن عندما يعلمون أن أباهم سوف يسألهم ثانية فإنهم عند ذلك يسارعون للإنفاق والبذل والعطاء.