تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا الوضع الطبيعي للاقتصاد العائلي أخذ يتغير بصورة تدريجية تحت وطأة مبادئ الحرية المتجهة نحو الفردية الاقتصادية، كمذهب يعظم حق الفرد، ويقدمه على حق الجماعة، حيث استولت أنظمة الاقتصاد المعاصرة على أزمَّة وسائل الإنتاج، من خلال المؤسسات الاقتصادية الرسمية، والشركات الإنمائية المختلفة، فأخذت تتعامل مع المجتمع كأفراد مبتورين عن أصولهم القبلية، وانتماءاتهم الأسرية، في تجمعات بشرية مقهورة، مُنكرةً بذلك دور العائلة كوحدة اقتصادية منْتجة، واستبدلت - في الوقت نفسه- الدوائر الحكومية، وأنظمة النقابات العمَّالية لتكون بديلاً عن وشائج الروابط العائلية في حماية العامل، وبعث شعور الأمن الاقتصادي في نفسه، مما أسفر عن تمييز واضح، وفصل كامل بين نظام الأسرة ونظام العمل، حيث انقطعت العلاقة الاقتصادية بكل فعالياتها الإنتاجية بين المنزل والعمل، واندفعت الأسرة بكل أفرادها القادرين -تحت وطأة الحاجة- نحو مؤسسات العمل والإنتاج -الخاصة منها والعامة- خارج نطاق العائلة تطلب قوتها، وسداد عيشها، فضعفت بالتالي الرابطة العائلية والسلطة الأبوية، وقلَّ أو انعدم عطاء النساء التربوي، وارتفع سن الزواج، وظهر في المجتمع كثير من المضاعفات الأخلاقية، والعقلية، والنفسية التي لم تكن معروفة بهذا الاتساع في الفترات الزمنية الماضية.

إن المجتمعات المعاصرة لن تستطيع أن تتخلص من مشكلاتها التربوية، ومعاناتها الاجتماعية حتى تُعيد للعائلة الإنسانية شكلها الطبيعي، وتُلزم المرأة بدورها الأمومي؛ بحيث تبقى للأسرة وشائجها الأبوية وروابطها العائلية الممتدة، ضمن ظروف اقتصادية كريمة، تُغْني النساء عن ذلِّ الكسب خارج حدود الأسرة، وتسمح لهن -في الوقت نفسه- باستثمار طاقاتهن الفائضة في عمل اقتصادي منتج مأمون داخل نطاق العائلة في غير حرج.

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٥٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٥٨١