وأما إذا ابتُليت الفتاة بالتدخين -ولو إلى درجة الإدمان- فليس لها وسيلة إلا الإقلاع التام بصورة مباشرة، ولا تترك هذه العادة القبيحة كالغلِّ في عنقها، فمع كون الخمر أعظم إدماناً من الدخان: فإن كثيراً من الصحابة، رغم ما ألفوه من حبها وتعاطيها: نزعوا عنها وهم يعاقرونها، وأقلعوا عن تعاطيها بالكلية دفعة واحدة لما بلغهم الأمر باجتنابها، فهذا مقام الإرادة التي يمتاز بها الإنسان عن سائر طوائف الحيوان، وهو وسيلة الفتاة الوحيدة- بعد عون الله تعالى- للخلاص من عادة التدخين بصورة صحيحة ونهائية.
ولا ينبغي من الفتاة المسلمة المعاصرة التي ثبت عندها وتواتر بيقين ضرر التدخين بأنواعه على صحة الإنسان أن تعتمد على بعض الفتاوى السابقة والقديمة المبيحة لتعاطيه، أو التي تصفه بالكراهة وتتردَّد في تحريمه، فهذه الفتاوى في غالبها لم يثبت لدى أصحابها الضرر العظيم الذي يخلّفه التدخين على متعاطيه، ومع ذلك فقد ربطوا القول بالتحريم إذا ثبت الضرر، وتحقق الأذى، إلا أن ذلك لم يثبت لديهم في زمنهم بالوضوح الذي ظهر في هذا العصر، من خلال المكتشفات الطبية، والأرقام الإحصائية، فأي ضرر أعظم من أربعة ملايين قتيل سنوياً بسبب التدخين؟ عدا من تتعطل صحته بسببه، إضافة إلى الأرقام الفلكية من الثروات التي تُهدر في زراعته، وصناعته، وشرائه، والإعلان عنه.
ولا ينبغي استهجان القول بالتحريم لهذه الآفة فقد قال به البابا النصراني في عام 1642م، وأصدر إمبراطور روسيا في زمنه القوانين بأشد العقوبات على المدخنين، والخلاف الذي وقع بين الفقهاء المتأخرين بشأنه يرجع إلى أن تعاطيه من الحوادث المستجدة التي لم تظهر إلا بعد سنة ألف من الهجرة النبوية، حين بدأ بعض اليهود والنصارى والمجوس ينقلون شجرته إلى بلاد المسلمين، فتلقَّفه بعضهم وتعاطوه، واعتادوا عليه.