تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم تنقطع هذه البراعة النسائية بزمن الصحابة؛ بل سجل التاريخ الإسلامي لبعضهن مشاهد ومواقف مشابهة, من جودة الكلام, وحسن البيان, كموقف الإمام تقي الدين ابن تيمية من حسن سؤالات أم زينب فاطمة بنت عباس (ت 714هـ), وسرعة فهمها, وكثرة مسائلها, حتى إنه كان يستعد لها ويتهيَّأ لمسائلها, وأبلغ من هذا ما ذكره إبراهيم بن السِّندي عن جارية كانت تأتيه في حاجة أهلها, حيث قال معبراً عن حرجه من تفوقها البياني: "فأجمع نفسي لها, وأطرد الخواطر عن فكري, وأحضر ذهني جهدي, خوفاً من أن تُورد عليَّ ما لا أفهمه, لبعد غورها, واقتدارها على أن تُجري على لسانها ما في قلبها", يقول ابن جزي عن هذه الحقيقة اللغوية البيانية في عالم النساء: "إن النساء مع قصور عقولهن, وقلَّة إدراكهن في غالب الأمر: قد يصدر من بعضهن من بلاغة الخطاب, وبراعة الجواب, ودلائل النبل, وشواهد العقل: ما يستغرب أمره, ويُخلَّد في الصحائف ذكره", وما زال شيء من هذا التفوق البياني موجوداً في بعض فتيات هذا العصر.

إن مثل هذه القدرات الفائقة المبدعة يمكن أن تكون ثمار التربية العقلية الصالحة الجادة في المجتمع المسلم المعاصر, ولن تعدم الأمة -ما دامت قائمة على النهج التربوي الحق- أن تخرج من فتياتها مثيلات هؤلاء الفاضلات أو نحوهن, ممن تفتخر بهن الأمة, وتزدهر بمثيلاتهن الثقافة, ويصلح على أيديهن النشء.

45ـ التربية الجمالية للفتاة المسلمة

إن المقصود الأسمى والغاية الكبرى من التربية الجمالية للفتاة المسلمة بكل مظاهرها, ووسائلها, وأهدافها هو الله جل جلاله, بحيث تصب كل متعلقات الجمال المادية والمعنوية, بمشاعرها وأحاسيسها, ومتْعتها ولذتها: في رحاب الله تعالى, فتربط كل هذه المعاني بخالقها جل وعلا؛ إذ هو سبحانه أصل الجمال الكوني ومبدؤه.

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٤٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٤٢٣