وعلى هذا النهج المتكامل المترابط بين المعرفة والسلوك كانت طريقة السلف في الزمن الأول، فهذه أم علقمة رحمها الله تقول: "رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة، وعليها خمار رقيق يشفُّ عن جيبها: فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دعت بخمار فكستها", فحجَّت عائشة الفتاة بالعلم، وبرَّرت خشونة مسلكها التربوي معها بشيوع المعرفة بسورة النور وأحكامها، فلم تقبل من بنت أخيها مجرَّد المعرفة بالأحكام دون أن يكون لهذه الأحكام واقعها التطبيقي في سلوكها العملي.
17ـ التزام الفتاة بالمعارف العقلية النافعة
إن نظام الإسلام في التربية العقلية يحث على العلم والتعليم، ويرفع منزلة أهل العلم مادام العلم نافعاً صالحاً، وأما إن كان عبثاً فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع", فالجمع بين العلم والاعتبارات الخلقية، هو بالذات مقتضى مبدأ العلم النافع عند الأخلاقيين المسلمين، فالعلم النافع هو ما كان باعثاً على العمل، ولا عمل صالح بغير علم نافع"، ومن هنا فإن العقل المسدد هو الذي اهتدى إلى معرفة المقاصد النافعة الصالحة، فالمعرفة العابثة التائهة مرفوضة في التصور الإسلامي؛ لأن قيمة "العلم تكمن في مدى فائدته في بناء الإنسان بحيث يكون قادراً على عمارة الأرض، وترقيتها في حدود منهج الله"، فالمعرفة مرتبطة بالعقيدة من جهة توجهها إلى الخير، فلا بد أن تنسجم مع الفكر الإسلامي المنبثق عن هذه العقيدة من جهة: المنهج، وطرق التدريس، ومبدأ الإباحة، وأن تكون واقعية لا خيالية، ينتفع بها صاحبها ويهتدي، بحيث تصقل مواهبه، وتشبع ميوله، وتوسع مداركه، وتخدم المجتمع، وتدفعه إلى الأمام.