تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تاريخ الأمة العلمي شاهد على التوسع المعرفي الذي لا حدَّ له في تعليم الإناث، ضمن ضوابط الشرع؛ فهذه السيدة عائشة رضي الله عنها تبلغ من العلم والمعرفة ما تفوقت به على كثير من أقرانها من الرجال، وتفردت به عن سائر نساء العالمين، فقد استقلت بالفتوى وهي ابنة ثمانية عشر عاماً، حتى إنها ما تكاد تأخذ علماً عن أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكن تفوُّقها هذا لدنِّياً بغير سعي، فقد كانت شغوفة بالعلم، حريصة عليه، تُلحُّ في طلبه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،حتى قال عنها التابعي الجليل ابن أبي مُليكة: "إن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه".

وعلى هذا النهج القويم المنفتح سارت الأمة في تعليم النساء عموماً، والفتيات خصوصاً إلى أن بلغ بعضهن في العلم مبلغاً عظيماً: فعلا صيت بعضهن، حتى ارتحل إليهن الطلاب، وتكاثروا يأخذون عنهن ما تفرَّدن به من الرواية، حتى قال السخاوي عن إحداهن: "وقد حدَّثت بالكثير، سمع عليها الأئمة، وحملتُ عنها ما يفوق الوصف"، وربما وصل ببعضهن التوسع العلمي إلى أن تُوصف بست الفقهاء، أو مُسندة العصر، أو مسندة الشام، أو مسندة القاهرة، أو ست الوزراء، حتى بلغت بإحداهن المكانة العلمية ما جعل أهل الأرض ينزلون بموتها درجة في رواية صحيح البخاري، وبلغ بإحداهن دقَّة الحفظ، وشدَّة الضبط إلى أن تُعدَّل إحدى نسخ "الموطأ" على حفظها، وربما ناظرت إحداهن بعض علماء عصرها فكاتبتهم وحاورتهم.

إن هذا التفوق العلمي المذهل لبعض نساء السلف لم يكن لينطلق من مبدأ العفوية في التعليم، أو الانتقاء الخاص من السلطة الإدارية؛ بل ينطلق من مبدأ الانفتاح العلمي والمعرفة دون حد أو قيد، ودون استثناء أو تمييز لجنس أو عنصر، حتى يبلغ سماع إحداهن من نحو مائتي شيخ تقريباً.

بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٣٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٣٣١