تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثانياً: أنه يجب التفريق بين الغلاة المُفرطين من أهل السنة، وبين الخوارج. والخلط بينهما يقع عادة من العامة، ومن بعض من انتسب إلى العلم. فالخوارج فرقة اتفقت على أصولٍ كلية محددة، خالفت بها إجماع المسلمين، كجعل ما ليس بمكفر يقيني كفرا، ومثل تكفير مرتكب الصغيرة أو الكبيرة، أو الإصرار عليها، حسب فرقهم المتعددة، والتي وُصفت في الكتاب والسنة إنها من الكبائر أو من الصغائر، بحسب الحال. أمّا ما اختُلف في كونه من التوحيد أم لا، مما هو ليس من الصغائر أو الكبائر، بل يتعلق أصلاً بأمرٍ من أمور العقيدة، فهذا مناط التحقيق في المسألة، وتجلية الأصل فيه.

وقد أخرج الأحناف من قبل العمل من مسمى الإيمان، فلم يكفرهم أحد، بل ألحق بهم بعض الفقهاء اسم "مرجئة السنة" لاشتراكهم في هذا الأصل مع المرجئة، لكن هذا لا يعنى إنهم مرجئة، إذ الأصول الكلية للمرجئة التي اجتمعوا عليها، وجعلت منهم فرقة بدعية لا يشاركهم فيها الأحناف [(3)].

ثالثاً: أنّ التعميمات باستخدام الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، من غير تحقيق يؤدى إلى الغلوّ أو البدعة، فإنه يجب أن يُرد العام إلى الخاص، والمطلق إلى المُقيد، والمبهم والمشكل إلى المبيّن، وهكذا، وهو من باب ردّ المتشابهات إلى المحكمات، إذ الاستشهاد بهذه العمومات والمطلقات والمبهمات استشهادٌ بمتشابهات.

فإن قال قائل، لكن مسائل العقيدة، ومن ثم التكفير ليس فيها أمور متشابهة، بل كلها محكمة، قلنا هذا كلامٌ فيه حق وباطل. فإن إثبات الإيمان للمرء سهلٌ ميسرٌ كما في حديث الجارية، أمّا ما نحن فيه فهو نزع الإسلام ممّن ثبت له، وهو أمرٌ آخر بالكلية. إذ يستلزم تحقيق نوع ما ارتكب من ناقضٍ، أهو في أصل التوحيد أم في مسائل خفية، أم فيما يجب فيه البيان قبل النقض، أم مما هو من أمور الإجماع والتواتر، أم من القواعد الكلية الثابتة في الشريعة. وهو الطريق الذي اتخذنا في كتابنا عن حكم جاهل التوحيد، إذ زيفنا قول من قال "هل هناك عذر بالجهل" مطلقاً، وبيّنا أنه يجب تحديد موضوع الجهل أولاً، وسيأتي التوسع في هذا عند الحديث المفصل عن أقوال الحازميّ.

رابعاً: أن الطابع الذي يتخذه بعض ممن يتحدث بالعلم، من حديثٍ في حدود منطقية لا يتعرف عليها إلا العلماء المتخصصين، هو، في عصرنا هذا، يعتبر من التمويه والمزايدة وإضفاء صبغة العلم على المتحدث، حتى إذا قرأ العاميّ من أول البحث عن المقدمات الصغرى والكبرى، والتي هى بعض ما ورد في مدونات الباجي وابن عقيلٍ والشيرازي وأضرابهم، قال، سبحان الله، هذا شيخٌ علّامة وحبر فهّامة، كيف يكون مخطأ وأنا لم أفهم من حديثه إلا آيات الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم؟! فيصدّق بعدها ما جاء به الباحث من عمومات وشُبَه. والعالم الحق من استوعب العلم حتى صار له طبعاً وطابعاً، ثم صاغه بأسلوب يفهمه العامي ولا ينكره العالم. والله المستعان.

وأنهي هذه المقدمة بكلمة للشاطبي رحمه الله، بيّن فيها قدر اتباع السنة، وما لحق به حين أراد أن يزيّف أقوال الغلاة، إفراطاً أو تفريطاً، فوالله إنه لا جديد تحت الشمس. قال رحمه الله "فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة نجاة، وأن الناس لن يغنوا عنى من الله شيئاً، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في الأمور فقامت عليّ القيامة وتواترت عليّ الملامة وفوّق اليّ العتاب سهامه ونُسبت إلى البدعة والضلالة و إني لو التمست لتلك الحادثات مخرجا لوجدت، غير أن ضيق العطن والبعد عن الفطن، رقي بي مُرتقى صعباً وضيق عليَّ مجالا رحباً، وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات، لموافقة العادات، أولى من اتباع من اتباع الواضحات، وأن خالفت السلف الأول .... ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره وأن داهنت جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عنى من الله شيئاً، وإني مستمسكٌ بالكتاب والسنة" [(4)].

بحث في الرد على الحازمي · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحث في الرد على الحازميص ٣