والحق، الذي شهدته بنفسي وأشهد به، أنّ من أطلق هذه الأوصاف على الشيخ الشاذلي، وألحقني به فيها، هو الشيخ محمد سرور وتلامذته. وقد قابل الشيخ الشاذلي الشيخ محمد سرور مرة واحدة، وقد وصلتني تفاصيل جلستهما ممن حضرها، ثم من الشيخ الشاذلي نفسه بعد عقدين من الزمان. ولم يكن هناك أي تجاوب بينهما، وهو ما أتفهمه تماما، إذ هو نفس رفضي لشخصية محمد سرور، كما بينت في مقالاتي بهذا الشأن [(2)]، ولكن ليس هنا موضع تفاصيلها. فهذا الإطلاق عن الشيخ الشاذلي محض افتراء.
ثم، كان من الواجب على كاتب الورقة أن يبحث فيما كتبت مؤخراً، عام كامل قبل أن يكتب ورقته، ردّا على الحازميّ، وبياناً لما قد يكون مجملاً في بعض مواضعه من كتاب "الجواب المفيد". فقد دونت ردّا علميا شرعيا تفصيلياً تأصيلياً، كان من الواجب على صاحب الورقة الاستفادة منه قبل تدوين ما دوّن.
ثم أخيراً، فإنه كان من حسن توجيه الحديث عن العلماء أن يذكر الشيخ العلامة الشاذلي، بأكثر من اسمه المجرد، فلا أظنه، فيما بقي له من عمر يمكن أن يخرج للأمة ما أخرج الشيخ الجليل. أما تلمذتي على يدّ الشيخ الشاذليّ، التي افترضها صاحب الورقة، فإنني أفتخر بها إن كانت حقيقة واقعة، إلا إن علاقتنا كانت دراسة وتواد، تأثرت فيها بكثير مما قرر، لكن يشهد الله تعالى، إني لم أستعن بكلمة واحدة مما كتبها في كتبه، وما اتفقنا فيه فهو بسبب توافق الأفكار التي تحاورنا فيها تلك السنوات التي قضيناها نتحاور يومياً، ساعات وساعات، في السبعينيات، في مدينة نصر بالقاهرة، وكنا ساعتها نقيم بناءً فكرياً بدأناه قبل أن نعرف الشيخ بسنوات. وفضله أكبر من أن ينكره أحد، علينا وعلى غيرنا.
د طارق عبد الحليم
2 مارس 2015 - 12 جمادي أولى 1436
بحث "الرد على الحازميّ"
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
لفت عدد من الشباب نظري إلى ما صدر عن أبي عمر الحازمي، هداه الله، من تسجيلات في موضوع التوحيد ونواقضه، والإعذار بالجهل وقواعده، وما إلى ذلك مما يشدّ انتباه الشباب المتحمس عامة، وما يناسب هذه المرحلة التي شاع فيها النفاق والكفر، وقهر رجال الإسلام، وتكالب الخصوم عليه، مما دفع الكثير إلى ظاهرة الغلو، وهو ما عايشناه عياناً في نهاية الستينيات في مصر. حينها، ظهرت ظاهرة الغلو في التكفير، ولا أقول التكفير، إذ التكفير حكم شرعيّ كسائر الأحكام، لكنّ الغلوّ فيه، وتكفير من لم يثبت كفره بشكلٍ قطعيّ لا شك فيه، هو عين الغلوّ. كما أن الامتناع عن تكفير من ثبت كفره بشكلٍ قطعيّ غلوّ في الطرف الآخر، وكلاهما ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد دوّنت حينها، في نهاية السبعينيات كتاب "الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد" بياناً لمعنى العذر بالجهل، ودرجاته وحدوده، رداً على جماعة شكري مصطفي وقتها، التي عُرفت بجماعة التكفير والهجرة، والتي خرجت من رحم القسوة التي مارسها نظام الهالك عبد الناصر، فبدأت تنظيرها في نهاية الستينيات، ثم قُضِي عليها على يد الهالك السادات في النصف الثاني من السبعينيات. ثم عاد الغلوّ، في ساحة الجهاد في الشام، بعد أن كان له دوره في إنهاء الجهاد في الجزائر في التسعينيات. ومما يبدو أنه يظهر على السطح كل عقدين من الزمن!
وقبل أن أبدأ سلسلة أرد على ما جاء به الحازميّ من غلوٍّ، أريد أن أمهد ببعض قواعد عامة، تنير طريق الساري في هذه الدروب، وتضبط بوصلته، وتبيّن بعض المصطلحات التي تأتي كلّ مصيبة وبدعة من الالتواء بها.
أولاً: أن تعبير "كفر تارك التوحيد"، تعبير مبهم، فيه إشكال. إذ لا يشك مسلمٌ أنّ تارك التوحيد كافرٌ، إما أصلاً أو ردة. هذا من البديهيات المسلمات، ومن ضرورات الدين التي يكفر منكرها. لكن الإبهام والإشكال يأتي من تحديد معنى التارك، وحدود الترك، ومن معنى التوحيد وإدخال ما ليس منه فيه، أو إخراج ما فيه منه. ثم في مناط كلّ حالة على التعيين. هذه ثلاثة أمور يجب النظر اليها عند تحرير المصطلح. وهو موضوع ردّنا إن شاء الله.