وكما ذكرنا في صدر هذا الفصل كان الأَشَاعِثَةُ قد جمعوا حوالي ثَلَاثينَ أَلْفَ دِينَارٍ من أموال الزكاة، ثم أسسوا مذهب الوقف كي لا يدفعوا هذه الأموال إلى إمام زمانهم، وكان ابتداء مذهب الواقفة وسبب ابتداعه هو هذا الأمر فحسب! (1) .
(1) يغلب على الظن من تتبع كتب الأخبار وكتب الرجال أن خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس بشكل خاص كانوا يسعون دائماً أن يسقطوا الأئمة المعصومين (ع) من أنظار الناس بكل وسيلة ممكنة، ومن جملة ذلك أنهم كانوا يقدمون لهم المال وكان الأئمة يأبون في الغالب أخذه منهم. كما أنهم كانوا يشجعون الأشخاص الذين كان الأئمة يعينونهم وكلاء ونواباً لهم بين الناس لأخذ أموال الزكاة والأوقاف والنذورات ونحوها، إذا لم يشعروا بخطرهم على جهاز الخلافة، واطمأنوا من جانبهم، فلم يكونوا يمنعونهم من أخذ تلك الأموال بل يشجعون الشيعة بشكل غير مباشر على دفع تلك الأموال إلى أولئك الوكلاء حتى يُضعفوا القدرة المالية للشيعة من جهة، ويصوروا الأئمة عليهم السلام من الجهة الأخرى بأنهم كانوا ماديين ويسعون لجمع المال..كما نجد المرحوم «عبَّاس إقبال آشتياني» يقول في كتاب «خاندان نوبختي» (أي عائلة النوبختي) (ص220): «كان للحسين بن روح في بغداد في معظم فترة خلافة الراضي بالله العباسي (322-329هـ) مقام رفيع بين الشيعة بسبب الأموال الطائلة التي كان الشيعة الإمامية يأتونه بها، وقد جذب هذا الجاه ووفرة الثروة التي كان يتمتع ها «الحسين بن روح» نظر الخليفة وعمال الدواوين الذين كانوا يعانون من ضيق اليد وكثيراً ما كان الخليفة يأخذ منه كلاماً!! ويقول أبو بكر محمد بن يحيى الصولي مؤلف كتاب (الأوراق) الذي توفي سنة 335 أو 336 وكان من المعاصرين لـ «الحسين بن روح»: «كان الخليفة الراضي يقول لنا دائماً: إني لأرغب أن يكون هناك ألف شخص مثل الحسين بن روح وأن الشيعة يعطونه أموالهم كي يفقر الله بهذا السبب الشيعة ويجعلهم محتاجين! إن استغناء الحسين بن روح من أموال هذا الطائفة أمرٌ يسرُّني ولا يزعجني» (الأوراق ص 132). وبالمناسبة من الجدير بالعلم أن الحسين بن روح كان من موظفي الدولة العباسية وعمالها ولهذا السبب كان جهاز الخلافة يثق به ويطمئن إليه.