لكن من شرط وصول الجميع إلى الإبداع والمهارة فيه أن نوفر مجالاً حوارياً جدلياً حراً لكل رهطٍ من الأقران، بحيث نعفيهم من ضمانهم لصواب أقوالهم، بل ندعهم يفكرون بصوتٍ عالٍ، ويذكرون ما يظنونه صواباً، من دون منح أنفسنا حقاً في لومهم وتقريعهم وإعابة منحى تفكيرهم، فإنَّ الإبداع لا يتأتى مع الكبت والزجر والسخرية، مما يجعلنا نسوغ طريقة الإبداعيين في"العصف الذهني"، وهي جلسات يحضرها العشرون والثلاثون، ونرفع عنهم الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ، ونتركهم يفكرون في القضية بعد القضية تفكيراً لا تقيده أوصاف الموضوعية ولا حدود المنطقية ولا ارتباطات الواقعية أو إذعانٌ لأرقام إحصائية، لينتج من التفكير الفوضوي الخيالي المطلق الجزافي عددٌ كبير من الاقتراحات والأفكار الجزئية حول تفاصيل القضية المبحوثة، ثمَّ بعد ذلك ترجع المجموعة بقيادة الأرشد الأفقه إلى تصفية رُكام القول، واستخلاص ما هو منطقيٌ منهُ ويتجانس مع حقائق المحيط والنمط المنهجي، وهذه طريقةٌ عامرةٌ في العالم، ضامرةٌ في العراق، لأنَّ الحاكم الفردي شاء أن يحرمَ أهل العراق من أدوات الاجتهاد والإبداع، لئلا يتمردوا عليه ويحَدّثوا أنفسهم بثورةٍ عليه، فَساقهم سَوقاً، وحرمهم من حوارٍ ونقدٍ ذاتي، ومنع التناجي الخيري العلمي، فحصل الانغلاق وتحجرت أنماط التبعية العمياء التي لا يؤذن لها أن تقارب رُشداً أو نوع ابتكار، ومن اللائق أن تنتبه التربية الدعوية لمثل ذلك، فتمارس أساليب الإبداع داخل الصف، ثمَّ مع بقية أنصار الدعوة من رواد المساجد والمتحلقين حولها في دائرة الهالة الواسعة المُنيرة حول قمرها الفكري، وبذلك يكون من الممكن أن نفجر ما في دواخل أنفس أجيال المؤمنين العراقيين من طاقةٍ كامنةٍ تتخذ من الاختراع والإتيان بالطريف ديدناً وطريقةً للاستدراك على ما فات، ثمَّ اللحاق ببقية الشعوب والأمم والسير بموازاتها والاقتباس من نجاحاتها.
عودة الفجر · الصفحة ٦٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
عودة الفجرص ٦٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي