الثَّامِنُ عَشَرَ: وَمِنْ عُقُوبَاتِ المَعَاصِي وَالآثَامِ: أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي القُلُوبِ، كَتَأْثِيرِ الأَمْرَاضِ فِي الأَبْدَانِ، كَالحُمَّى وَالأَوْجَاعِ، بَلِ الذُّنُوبُ أَمْرَاضُ القُلُوبِ وَدَاؤُهَا، بِمَنْزِلَةِ الحَطَبِ الَّذِي يُمِدُّ النَّارَ وَيُوقِدُهَا، وَلَا دَوَاءَ لِأَمْرَاضِ القُلُوبِ إِلَّا بِتَرْكِ الذُّنُوبِ. وَقَدْ أَجْمَعَ السَّائِرُونَ إِلَى اللّاهِ أَنَّ القُلُوبَ لَا تُعْطَى مُنَاهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى مَوْلَاهَا، وَلَا تَصِلُ إِلَى مَوْلَاهَا حَتَّى تَكُونَ صَحِيحَةً سَلِيمَةً، وَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً سَلِيمَةً، إِلَّا بِمُخَالَفَةِ هَوَاهَا، وَهَوَاهَا: مَرَضُهَا، وَشِفَاؤُهَا: مُخَالَفَتُهُ. وَمَتَى اسْتَحْكَمَتْ قَتَلَتْ، وَلَا بُدَّ. فَهِيَ كَطَعَامٍ لَذِيذٍ شَهِيٍّ لَكِنَّهُ مَسْمُومٌ، إِذَا تَنَاوَلَهُ الآكِلُ لَذَّ لَهُ أَكْلُهُ وَطَابَ لَهُ مَسَاغُهُ، وَبَعْدَ قَلِيلٍ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ، يَتَمَتَّعُ بِهِ صَاحِبُهُ لَحَظَاتٍ وَفِيهِ الهَلَاكُ. فَهَكَذَا المَعَاصِي وَالذُّنُوبُ، وَلَا بُدَّ. فَالذُّنُوبُ جِرَاحَاتٌ، وَرُبَّ جَرْحٍ وَقَعَ فِي مَقْتَلٍ.
وَلَا تَقْرَبِ الأَمْرَ الحَرَامَ فَإِنَّمَا ... ... حَلَاوَتُهُ تَفْنَى وَيَبْقَى مَرِيرُهَا(1)
(1) ... «روضة المحبين» (ص 440).