... فقد فهموا من هذا الحديث نفى الإيمان بالكلية عن من فعل شيئاً مما ذكر فى الحديث، وهذا لا حجة لهم فيه، فإن الحديث –كما يذكر العلماء- إما أن يكون وارداً فيمن فعل شيئاً مما ذكر مستحلاً لتلك الذنوب، أو أن المراد به نفى كمال الإيمان عنهم، أو أن نفى الإيمان عنهم مقيد بحال مواقعتهم لتلك الذنوب.
... ولو كانت تلك الكبائر تخرج الشخص عن الإيمان لما اكتفى بإقامة الحد فيها، ولهذا فقد ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاء، ولا يخاض فى معناها.
... وقال الزهرى فى مثل هذه الأحاديث: "أَمِرُّوها كما أَمَرَّهَا مَنْ قبلكم" (1) .
... وقد جاء فى حديث أبى ذر رضى الله عنه أنه قال: (ما من عبد قال: لا إله إلا اله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) قلت: وإن زنى وإن سرق ثلاثاً، ثم قال فى الرابعة: على رغم أنف أبى ذر، قال: "فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبى ذر" (2) .
... والكلام فى أهل الكبائر مبسوط فى موضعه من كتب التوحيد وكتب الفرق، والمقصود هنا هو التنبيه على خطأ الخوارج فيما ذهبوا إليه من تكفير أهل الذنوب من المسلمين، مخالفين ما تضافرت النصوص عليه من عدم كفر مرتكبى الذنوب كفر ملة إلا بتفصيلات مقررة فى مذهب السلف.
4. الإمامة العظمى:
... هذه هى مشكلة الخوارج الكبرى منذ نشأوا، وطوال عهد الدولة الأموية وزمن متقدم من عهد الدولة العباسية، شغلتهم قضية الإمامة عملياً، فجردوا السيوف ضد الحكام المخالفين لهم، ناقمين عليهم سياستهم فى الرعية من عدم تمكينهم من اختيار إمامهم بأنفسهم، ثم سياستهم الداخلية فى الناس، وشغلتهم فكرياً بتحديد شخصية الإمام وخصائصه ودوره فى المجتمع، وكانوا يظهروا بمظهر الزاهد عن تولى الخلافة حينما يكون الأمر فيما بينهم وحرباً لا هوادة فيها ضد المخالفين لهم.
( حكم الإمامة عند الخوارج:
(1) ... انظر: شرح النووى لصحيح مسلم 2/41 – 42.
(2) ... أخرجه مسلم 1/66.