تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ومما يدل على ذكائه وطلبه للحق وإفحامه لخصمه فى المحاجة أنه سأل أستاذه (1) أبا على الجبائى عن ثلاثة أخوة كان أحدهم مؤمناً براً تقياً. والثانى كان كافراً فاسقاً شقياً، والثالث كان صغيراً، فماتوا فكيف حالهم؟ فقال الجبائى: أما الزاهد ففى الدرجات، وأما الكافر ففى الدركات وأما الصغير فمن أهل السلامة. فقال الأشعرى: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟ فقال الجبائى: لا لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بطاعاته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعرى: فإن قال: ذلك التقصير ليس منى فإنك ما أبقيتنى ولا أقدرتنى على الطاعة، فقال الجبائى: يقول البارئ جل وعلا: كنت أعلم لو بقيت لعصيت وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك، فقال الأشعرى: فلو قال الأخ الأكبر يا إله العالمين كما علمت حاله فقد علمت حالى فلم راعيت مصلحته دونى؟ فانقطع الجبائى.

... لقد كان الأشعرى إماماً فذاً كثير التأليف واسع الاطلاع محبباً إلى الناس، ولهذا تجد أن كل طائفة تدعى نسبته إليها "فالمالكى يدعى أنه مالكى، والشافعى يزعم أنه شافعى، والحنفى كذلك" (2) .

3. عقيدة الأشعرى:

... علمنا فيما مضى أن الأشعرى كان على مذهب المعتزلة ومن العارفين به، وأنه أقام عليه مدة أربعين سنة، ومما يذكره العلماء عن سيرته ورجوعه عن الاعتزال ومذهب ابن كلاب إلى المذهب الحق، أنه مكث فى بيته خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الناس وفى نهايتها خرج فى يوم جمعة، وبعد أن انتهى من الصلاة صعد المنبر وقال مخاطباً من أمامه من جموع الناس:

(1) ... على حسب مذهب المعتزلة: أنه يجب على الله تعالى فعل الأصلح، وقال له الأشعرى: بل يفعل ما يشاء.

(2) ... انظر: كتاب "أبو الحسن الأشعرى" ص8.

أصول وتاريخ الفرق الإسلامية · الصفحة ٤٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول وتاريخ الفرق الإسلاميةص ٤٦٣