... والأحاديث كثيرة فى هذا المعنى الذى يوضح حقيقة الإيمان فى أنه مركب من أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فمن زعم أنه مؤمن ومصدق بقلبه ولكن لا يؤمن بعمل تلك الأمور الظاهرة للإيمان فقد رد الحديث مهما ادعى من تعليلات.
... فمن أقر بالإسلام ثم امتنع عن الصلاة والزكاة والحج والصيام وغير ذلك من شعائر الإسلام وأصر على الامتناع، فإن المرجئة لا يتجاسرون على الحكم عليه بالكفر لجواز أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان، وفاتهم أن الذى يطمئن قلبه بالإيمان تكون شعائر الإسلام أحب إليه من كل فعل، وأن قرة عينه تكون دائماً فى القيام بتلك الأعمال والاستزادة منها متقرباً بعملها إلى ربه.
... وهذا يدل على بعد فكر المرجئة عن الحق، فلو أن شخصاً صدق بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكنه أبى أن يعمل بجوارحه ما أمر به كالصلاة مثلاً، وأصر على إبائه حتى قدم لضرب عنقه وهو مصر على إبائه، فإنهم يزعمون بأنه قد يكون مؤمناً فى الباطن، ونحن لا ندرى حتى وإن كان ظاهره الكفر الصريح.
... وهذا افتراض كاذب لا وجود له إلا فى الذهن، إذ لو كان مصدقاً بقلبه لما فضل أن تضرب عنقه على الامتثال لأمر ربه، وهو يعلم أن الأحكام فى الدنيا إنما تجرى على حسب ما يظهر من أفعال الإنسان، ثم رضى أن يموت كافراً فى نظر المسلمين وراضياً بالأحكام التى سيعامله بها المسلمون بعد موته من عدم الصلاة عليه، وعدم دفنه فى مقابر المسلمين، وأنه لا يورث إلى غير ذلك (1) .
(1) ... انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية 218- 219.