... والواقع أن النقول بإرجاء أبى حنيفة كثيرة، وعلماء الفرق أغلبهم يقر نسبة الإرجاء إليه بالمعنى الذى قدمنا ذكره. وهذا هو الثابت، ولا يقال: إن أبا حنيفة كان من غلاة المرجئة كالجهمية مثلاً، وذلك لموافقته أهل السنة والاعتقاد السليم فى جوانب كثيرة فى باب الإيمان وإن خالفهم فيما ذكر.
... ولقد بذل كثير من علماء الأحناف جهدهم ليجعلوا الخلاف بينهم وبين أهل السنة فى حقيقة الإيمان لفظياً، فلم يتم لهم ذلك مع أنهم يستندون إلى جعل الخلاف لفظياً على الاتفاق الحاصل فعلاً بينهم وبين أهل السنة فى مرتكب الكبيرة عند الله، إذ لا يسمى كافراً ولا يحكم له بالخلود فى النار يوم القيامة، بل هو تحت المشيئة إن شاء الله عفى عنه بفضله وإن شاء عاقبه بعدله.
... وكذلك اتفاقهم على أن الأعمال لا بد منها، وأن العبد لو صدق بقلبه وأقر بلسانه ولكن امتنع عن العمل فلم يقم به –أنه يستحق اللوم والعقوبة، وأنه من العصاة. إلا أن كل هذه الحجج لا تجعل الخلاف لفظياً، وذلك أن أهل السنة لا يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، فالتفرقة بين الأعمال والإيمان لا يقول بها السلف.
... كما أن السلف لا يرون أن الناس على درجة واحدة فى الإيمان والتوحيد، كذلك حُكْمُ الأحناف للعصاة بالإيمان الكامل لم يوافقهم فيه السلف، كما أن السلف لا يوافقونهم فى القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه.
... والحاصل: أن المرجئة أقسام كثيرة وأنهم يختلفون فى بعض أسس الإرجاء، كما سيتضح ذلك إن شاء الله.
( بيان أول من قال بالإرجاء وبيان أهم زعماء المرجئة: