تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وقد دل القرآن على أنه لا تلازم بين الأمرين، وأن الله لا يعاقب إلا بعد إرسال الرسل، وأن الفعل نفسه حسن وقبيح ... قال تعالى: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ (1) ففي هذه الآية إشارة إلى أن العذاب لا يكون إلا بعد بعثة الرسل، وذلك دليل على أن العقاب لا يثبت إلا بالشرع.

ومن الآيات الدالة على الأمرين قوله تعالى: ﴿ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ﴾ (2) ، وعلى أحد القولين في معنى الآية، وهو أن يكون المعنى لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل تكون الآية دالة على الأمرين: أن أفعالهم وشركهم ظلم وقبيح قبل البعثة، وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد إرسال الرسل، وهذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير قوله تعالى: ﴿ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ﴾ (3) .

... ويرى أهل السنة: أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، وأنها يدرك حسنها وقبحها بالعقل، لكن لا يترتب على حسنها ثواب ولا على قبحها عقاب إلا بالشرع.

... يقول ابن القيم رحمه الله: "والحق الذي لا يجد التناقض إليه سبيلاً ... أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة.. ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي. وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحاً موجباً للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل، فالسجود للشيطان والكذب ... والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع ... إلى أن قال: وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربع يقولون: قبحها ثابت بالعقل، والعقاب متوقف على ورود الشرع، وهو الذي ذكره سعد بن علي الزنجاني من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنفية، وحكوه عن أبي حنيفة نصاً" (4) .

(1) ... الإسراء: 15.

(2) ... الأنعام: 131.

(3) ... القصص: 47.

(4) ... مدارج السالكين ج1 ص231-232.

أصول وتاريخ الفرق الإسلامية · الصفحة ٣٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول وتاريخ الفرق الإسلاميةص ٣٤٦