تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وأما قولكم: وأنه تعالى لا يخل بما هو واجب عليه، فنقول: ما مقصودكم بهذا الواجب على الله؟ هل هو إيجاب من العباد على الله؟ أم إيجاب من الله على نفسه؟، إن كان الأول: فهذا لا نوافقكم عليه، لأن العباد لا يوجبون على الله شيئاً، إذ يلزم أن يكون هناك موجباً فوق الله أوجب عليه شيئاً، ولا موجب عليه سبحانه وتعالى (1) ، وأيضاً فإنه يلزم من القول بأن العباد يوجبون على الله يلزم منه أن لا يكون سبحانه وتعالى فاعلاً مختاراً، وهو باطل بالأدلة الدالة على أن له تعالى التصرف المطلق فيما شاء من عباده. فمثلاً: لو لم يكن فاعلاً مختاراً في أفعاله لما صح حمده، لأنه لا يحمد إلا الفاعل المختار بقدرته ومشيئته في أفعاله الحميدة، فثبوت حمده دليل على أنه مختار في أفعاله سبحانه وتعالى، وأيضاً فإن ثبوت ربوبيته تعالى يقتضي فعله بمشيئته واختياره ... ، وأيضاً فإن ثبوت ملكه دليل على أنه فاعل مختار، إذ أن حصول ملك لمن لا اختيار له ولا فعل له ولا مشيئة غير معقول، وأيضاً فإن كونه تعالى مستعاناً دليل على اختياره، لأن الاستعانة بمن لا اختيار له محال (2) ، وعلى ذلك فالله سبحانه وتعالى فاعل مختار، وإذا كان كذلك بطل قولكم: إن العباد يوجبون عليه تعالى.

... وإن كان مقصودكم بالوجوب أنه واجب عليه بحكم ما أوجبه على نفسه، فهذا نوافقكم فيه، لكن لا يلزم منه أن لا يكون تعالى مختاراً، لما ذكرناه آنفاً من اللوازم الباطلة، ولأن من أوجب على نفسه شيئاً يعتبر متفضلاً بما أوجب، والمتفضل مختار بما تفضل به.

(1) ... انظر التبصير في الدين: ص79، واقتضاء الصراط المستقيم ص409-410.

(2) ... مدارج السالكين ج1 ص66 بتصرف.

أصول وتاريخ الفرق الإسلامية · الصفحة ٣٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول وتاريخ الفرق الإسلاميةص ٣٤٣