تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ثانياً: الآية حجة عليكم أيها النفاة وليست لكم، وذلك لأن الإدراك إما أن يراد به مطلق الرؤية، أو الرؤية المقيدة بالإحاطة، والأول باطل، لأنه ليس كل من رأى شيئاً يقال أنه أدركه، كما لا يقال أنه أحاط به، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن ذلك فقال: "ألست ترى السماء؟ قال: بلى.قال: أكلها ترى؟ قال: لا"، فدل قول ابن عباس على أن مطلق الرؤية لا يتضمن الإدراك.

... ومما يؤيد قول ابن عباس أن الرائي يرى جوانب الجيش أو الجبل أو المدينة ولا يقال أنه أدركها، وإنما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية.

... وإذا بطل أن يكون المراد بالإدراك مطلق الرؤية لم يبق إلا أن يكون المراد به الرؤية المقيدة بالإحاطة، والرؤية المقيدة بالإحاطة مما يجب نفيه عن الله تعالى، فإنه لا يحاط به رؤية كما لا يحاط به علماً. ولا يلزم من نفي إحاطة الرؤية والعلم، نفي العلم والرؤية، بل يكون دليلاً على أنه يرى ولا يحاط به، كما يعلم ولا يحاط به، فإن تخصيص الإحاطة بالنفي، يقتضي أن الرؤية ليست بمنفية، لأن تخصيص الأكبر بالنفي يقتضي أن الأصغر ثابت، كما لو قلت ليس عندي مائة درهم فإنه لا ينافي وجود ما هو أقل من المائة، بل يكون دليلاً على وجودها.

... ومما يؤكد دلالة الآية على الرؤية أن الله تعالى ذكرها ليمدح بها نفسه ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليست صفة مدح، لأن النفي المحض لا يكون مدحاً، وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمراً ثبوتياً: كمدحه بنفي السِّنة والنوم المتضمن كمال القيومية ... ولهذا لم يتمدح تعالى بعدم محض لم يتضمن أمراً ثبوتياً. لأن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه. فدل هذا على أن الآية تتضمن أمراً ثبوتياً، وهو أنه تعالى يُرى، ولا يدرك ولا يحاط به لكماله وعظمته.

... وبذلك يبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.

الشبهة الثانية:

أصول وتاريخ الفرق الإسلامية · الصفحة ٣٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول وتاريخ الفرق الإسلاميةص ٣٣٥