سَمِعَ ذَلِكَ - صلى الله عليه وسلم - دَلِيلٌ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ لِلصِّبْيَانِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الرُّخْصَةِ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَخْلِيَةِ الصَّبِيِّ وَمَا يَرُومَ مِنَ اللَّعِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ دَوَاعِي الْفُجُورِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ يَكْرَهُ لِوَالِدَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَاهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِنْفَاقَ الْمَالِ فِي مَلَاعِبِ الصِّبْيَانِ لَيْسَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَاهِي الْمَنْهِيَّةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِمْسَاكِ الطَّيْرِ فِي الْقَفَصِ، وَقَصِّ جَنَاحِ الطَّيْرِ ؛ لِمَنْعِهِ مِنَ الطَّيَرَانِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ النُّغَيْرَةُ الَّتِي كَانَ يَلْعَبُ بِهَا فِي قَفَصٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ شَدِّ رِجْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَنْ تَكُونَ مَقْصُوصَةَ الْجَنَاحِ، فَأَيُّهُمَا كَانَ الْمَنْصُوصُ فَالْبَاقِي قِيَاسٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ يَكْرَهُ قَصَّ جَنَاحِ الطَّائِرِ وَحَبْسَهُ فِي الْقَفَصِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوِ اصْطَادَ صَيْدًا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِرْسَالُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَرَّمَ الِاصْطِيَادَ بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ، وَأَجَازَ لِأَبِي عُمَيْرٍ إِمْسَاكَهُ، فِيهَا وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُفْتِي بِإِمْسَاكِ ذَلِكَ وَمِنْ حَجَّتِهِ فِيهِ أَنَّ مَنِ اصْطَادَ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ إِرْسَالُهُ، فَكَذَلِكَ إِذَا اصْطَادَ فِي الْحِلِّ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ، وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا وَصَفْنَا، فَقَالَ: مَنِ اصْطَادَ، ثُمَّ أَحْرَمَ وَالصَّيْدُ فِي مِلْكِهِ فَعَلَيْهِ إِرْسَالُهُ، وَمَنِ اصْطَادَهُ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ، فَلَا إِرْسَالَ عَلَيْهِ.وَفِي قَوْلِهِ: "مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ "دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَصْغِيرِ الْأَسْمَاءِ كَمَا صَغَّرَ النُّغَيْرَةَ، وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يُكَنَّى أَبَا عُمَيْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا مَازَحَهُ بِذَلِكَ يَبْكِي أَبُو عُمَيْرٍ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِذَا بَكَى الْيَتِيمُ اهْتَزَّ الْعَرْشُ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ بُكَائِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ بُكَاءَ الصَّبِيِّ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا بُكَاءُ الدَّلَالِ عِنْدَ الْمِزَاحِ وَالْمُلَاطَفَةِ، وَالْآخَرُ بُكَاءُ الْحُزْنِ أَوِ الْخَوْفِ عِنْدَ الظُّلْمِ أَوِ الْمَنْعِ عَمَّا بِهِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، فَإِذَا مَازَحْتَ يَتِيمًا أَوْ لَاطَفْتَهُ فَبَكَى فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهْتِزَازُ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْحَكِيمَ لَا يُوَاجِهُ بِالْخِطَابِ غَيْرَ الْعَاقِلِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ صِفَةُ الْحَكِيمِ فِي خِطَابِهِ أَنْ لَا يَضَعَ الْخِطَابَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَذَلِكَ دَلِيلٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - وَاجَهَ الصَّغِيرَ بِالْخِطَابِ عِنْدَ الْمِزَاحِ فَقَالَ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ "وَلَمْ يُوَاجِهْهُ بِالسُّؤَالِ عِنْدَ الْعِلْمِ وَالْإِثْبَاتِ، بَلْ خَاطَبَ غَيْرَهُ، فَقَالَ: "مَا بَالُ أَبِي عُمَيْرٍ ؟ "، وَفِيهِ دَلِيلٌ
أسس بناء شخصية الطفل المسلم · الصفحة ١٢٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
أسس بناء شخصية الطفل المسلمص ١٢٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي