تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك فارق كبير بين الملاحظة العادية والملاحظة العلمية، فالملاحظة فى صورتها الساذجة غير المقصودة هى النافذة المفتوحة أمام المعرفة الحسية المباشرة، ويؤدى هذا النوع من الملاحظات إلى تعميمات بسيطة صحيحة أحياناً، وغير صحيحة أحياناً أخرى، لكن الملاحظة العلمية المقصودة هى التى يوجه الباحث -فى صبر وأناة- حواسه وعقله إلى طائفة من الظواهر لا لمجرد مشاهدتها، بل لمعرفة صفاتها وخواصها، وليست العبرة بتسجيل الملاحظات وتكديسها، بل بالمقدرة على تنسيقها وربطها وتفسيرها تفسيراً صحيحاً، والاستفادة منها فى الكشف عن بعض الحقائق العامة، وقد يتدخل الباحث فيغير بعض الظروف المحيطة، ويلاحظ ما يحدث فى هذا الوضع الجديد، لأن ذلك يزيد من فرصته فى معرفة حقائق أكثر عن الظاهرة موضع البحث، وفى الكشف عن الأخطار العامة أو الفروض التى يفسرها، ويمكن أن ينتقل الباحث من الملاحظة إلى التجربة، فالتجربة العلمية هى ملاحظة الظاهرة بعد تعديلها تعديلاً كبيراً أو قليلاً عن طريق بعض الظروف المصطنعة (أى أن التجربة هى ملاحظة محكومة). وهناك مواقف لا يقوم الباحث بها بالتجربة مباشرة، ولكنه ينتظر حدوثها، ثم يلاحظها ويسجل، وهذه هى التجربة غير المباشرة، وتعتمد عليها بعض البحوث الاجتماعية والنفسية اعتماداً كبيراً على أساس المقارنة بين الظواهر المألوفة فى المجتمع أو الفرد، وما تقابلها من الحالات الشاذة فى كليهما، ومن الممكن أن تعتبر التجربة غير المباشرة حالة وسطاً بين الملاحظة والتجربة الحقيقية، وعلى كل حال فإن نجاح الملاحظة والتجربة تقتضى الدقة التامة فى رصد الظاهرة، والتحرر من كل فكرة سابقة، والبعد عن التحيز بأشكاله المختلفة واستعراض جميع الظروف المحيطة بالظاهرة، وتوفر الحد الأدنى من الصفات العقلية الخاصة، كالحذر وروح النقد، وحضور البديهة والقدرة على ربط الأشياء بنظائرها. (6)

أسس البحث فى اللغة والأدب · الصفحة ٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسس البحث فى اللغة والأدبص ٥١