الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]، فهنا يُثبِّت الله أهل الإيمان، ويُضل الله الظالمين، وهم الكفار والمنافقون.
وقد ثبت في "الصحيح" أنها نزلت في عذاب القبر حين يُسأل: "مَن ربُّك، وما دِينك، ومَن نبيُّك؟ ".
وفي حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - الطويل:
"وأما الكافر إذا كان في إقبال من الدنيا وانقطاع من الآخرة، نزل عليه ملائكة من السماء، معهم مُسُوح ... " وذكر الحديث، وفيه: "ثم تُعاد رُوحُه إلى جسده في قبره" الحديث.
وفي رواية أخرى عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: "شهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة فذكر الحديث وقال: "وإن كان كافرًا أو منافقًا يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري".
وهذا صريح في أن السُّؤال للكافر والمنافق، وأما قول أبي عمر رحمه الله: "وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يُسأل عن ربه ودينه ونبيه"، فيقال له: ليس كذلك بل هو من جملة المسؤولين، وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر الله في كتابه أنه يسأل الكافر يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 65].
وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92].
وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6].
فإذا سئلوا يوم القيامة، فكيف لا يُسألون في قبورهم؟ فليس لما ذكره أبو عمر - رحمه الله - وجه "؛ اهـ بتصرف؛ (من كتاب "الروح" لابن القيم: ص 112 - 117).
وقد جاءت أحاديثُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تَدل على أن الكافر وغيرَه من غير أهل الإسلام يتعرضون لفتنة القبر وسؤال الملَكَين، ومنها:
ما أخرجه مسلمٌ عن أنس - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
((العبدُ إذا وُضِع في قَبره وتولَّى وذَهب أصحابُه حتى إنَّه لَيسمع قَرْع نِعالهم، أتاه مَلكان فأقعداه فيقولان له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجل محمَّد - صلى الله عليه وسلم؟ فيقولُ: أشهدُ أنه عبدُ الله ورسولُه، فيقال: انظُر إلى مَقعدِك من النَّار أَبْدَلك اللهُ بِه مَقعدًا من الجنَّة، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: فيراهما جميعًا، وأما الكافرُ أو المنافِق فيقول: لا أدري، كنتُ أقول ما يقول النَّاسُ، فيقال: لا دَريتَ ولا تَليتَ، ثم يُضربُ بِمِطرقَة من حديد ضَربةً بين أُذنَيه فيصيح صَيحةً يسمعها مَن يليه إلا الثَّقلَين))